للقاص يحيى أوهيبة
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
النص:
كيذبّان
استأمنوه على ودائعهم، تحسّس أنفه.
القراءة:
ولأنّ (الومضة) لم تزل تحفر لها طريقاً بين أجناس الأدب بكلّ جدّيّة، وعلى قدم وساق، وأنّ ما شدّني إلى هذه (الومضة) بالذات، وتناولها بالقراءة لأوّل مرّة سببين، الأوّل: حبّي لكاتبها والّذي أشيد عن علم بثقافته العامّة، وخاصّة المتعلّقة بشتّى أجناس الأدب، والسبب الثاني: (العنوان) وما يمثّله بالنسبة (للقصّة القصيرة جدّاً) أو (الومضة)، ومن ثمّ ينسحب على أجناس الأدب.
العنوان:
فالعنوان يمثّل الدعامة الرئيسة في أيّ بناء؛ (كيذبان) تكشف عن ثقافة “الكاتب”، وتحتاج منّا أن نقف على بعض انزياحاتها، فمفردها {الكذب}، وجمعها يتحوّل المعنى إلى {كثير الكذب}، ولا بدّ لنا أن نقف أمام هذا الجمع، ونسأل: هل “الكاتب” سيكمل (ومضته) بأسلوب الجمع؟.
هذا بخلاف الانزياحات الّتي ما وراء العنوان، ولأنّ الومضة تعني {وميض} لقطة آلة تصوير سريعة خاطفة، ولا بدّ “لكاتب” والمتلقّي أن يكون على دراية تامّة لما وراء الكلمات، خاصّة وأنّ السرد هنا يكون مضغم، ولا تسمح المساحة للومضة بالسرد والإفصاح، أو استخدام الجمل البيانيّة والتعبيريّة… الخ، وهذا ما سوف نحاول إلقاء الضوء عليه عند تفنيد “النقطة التنويريّة” الّتي يريد “الكاتب” توصيلها، فمن الضروريّ أن يحمل أيّ فرع من فروع الأدب هذه القيمة، وإلّا خرج من نطاق الأدب.
بدأ “الكاتب” الومضة بفعل ماض بصيغة الجمع لجملة فعليّة تامّة استأمنوه على ودائعهم، جملة بسيطة لغويّاً مفهومة، لا لبس فيها، وهي تمثّل: الفكرة، البداية، الشخصيّات، الحدث، العقدة، وهي تعادل شطر (الومضة) تجعل المتلقّي يعمل عقله، ويطرح على نفسه الأسئلة:
من هؤلاء الّذين استأمنوه لكي يودّعوا عنده ودائعهم؟.
ومن هو المؤتمن هذا؟.
وطالما حرّك النصّ خيال المتلقّي يعدّ “الكاتب” حقّق المراد، فلقد استطاع أن يبني قصّة معلومة الأركان لدى المتلقّي، وربّما كانت من نسج خيال المتلقّي ذاته، وهذه النقطة تحسب لهذا الجنس من الأدب.
ثمّ نأتي للشطر الثاني، والّذي يمثّل:
حلّ العقدة: “القفلة” النقطة التنويريّة، ونجد هذا في جملة واحدة تتكوّن من كلمتين: تحسّس أنفه، وهنا نسترجع العنوان بشدّة، لنكتشف إحدى انزياحاته، وهي عادة راسخة في عادات العرب القديمة تتناقل من جيل إلى جيل، ويحدّثنا عنها لليوم علماء النفس، (الكذّاب) كان يعرف عند العرب عندما يحمرّ أنفه، ويتحسّسه بلا إرادة.
فمن هنا كان العمل يحمل رسالة ممتازة بخلاف الإسقاطات ما وراء النصّ، والإشارة إلى العادة العربيّة الخالصة، كلّ التحيّة للأستاذ للكاتب والله وليّ التوفيق.