القصة للكاتب بسام الأشرم
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
بسام فنان بارع فى استخدام امكانيات القصة القصيرة، ليحول المشهد العادى إلى تجربة مشحونة بالعاطفة. فلنتأمل ماذا صنع بسام. هاك الحكاية (الخام). فى صورتها الأصلية ( يعرج أبو الصبية خالى الوفاض إلى المذبح . يطلب من صاحبه قدرا من أرجل ورؤوس الدجاج . هو من أولئك الرجال الذين تحسبهم أغنياء من التعفف . يزيح البائع ماتراكم تحته من الأرجل والرؤوس قائلا له : هنيئا لكلابك .. حيث جرت العادة ان يطعم مربوا الكلاب حيواناتهم بتلك البقايا لرخص ثمنها.
ترن الجملة فى ذهن الرجل وهو يتأمل صغاره يتخاطفون الأرجل والرؤوس من بين يدى أمهم فيتملكه الأسى للهوان الذى ساقه اليه العوز ).
تلك قصة قصيرة متكاملة الأركان . ولكنها باهتة برتابتها وتسلسلها المنطقى الذى يجعل من القارىء مجرد متلق سلبى للأحداث . فكيف نضجت الفكرة واستوت بين يدى بسام لتكتسب ألقا وجاذبية تجعل من القارىء مشاركا أصيلا فى التجربة ؟.
أدرك بسام بحاسة صياد اللؤلؤ كما يسميه صديقى البنا اللحظة التى تتوهج فيها التجربة . وهى لحظة تحول الدلالة المعجمية للفظ ( كلابك ) الى الدلالة المجازية . فاستهل قصته بمشهد الصبية ( يتخاطفون ) الطعام . وهو مشهد تمهيدى يؤهل القارىء للمسار المضمر .. فالتخاطف او الخطف يعقد صلة بين الموصوف ( الدلالة المجازية ) والموصوف به ( الدلالة المعجمية ) . وإضمار الموصوف به حقق اللطمة الاولى لخيال القارىء.
المشهد التالى قدم فيه الاب . وهو الشخصية المحورية . حيث هو الوسيط الذى سيترجم مشاعر الإحباط والبؤس الانسانى من خلال العملية المعقدة التى ستتحول فيها الدلالة داخل ذهنه . قدمه فى مواجهة مع صاحب المجزر . وهى مواجهة جديرة بالتأمل . فالإضمار الذى حيك به المشهد يعد آية فى البراعة . وانا انظر الى ذلك المشهد الذى يتوسط النص ليس باعتباره فقط وسيطا لنقل الفكرة بل لشحن الطاقة . فالرجل الذى يغالب كبرياءه يطلب النفايات متسلحا بغلبة الظن السائد . لكن البائع يجمع النفايات بقدمه . ويزيحها نحو الرجل . والدلالة أن الرجل لم يطلب أن يبتاع النفايات . وإنما طلبها كهبة . فلو علم البائع انه سيتقاضى ثمنا لجمعها فى لفافة . امارات الاستخفاف فى منح النفايات تعكس الطريقة الموحية التى نطق بها البائع الجملة . وتماسك الرجل وحاجته الماسة التى جعلته بالضرورة يتغافل عن التعريض المبطن هو فى ظنى ماشحن المقطع بالطاقة . ولم يتبق الا الوصول الى الكتلة الحرجة (بمصطلحات الفيزياء ) لتنطلق الشحنة الانفعالية لدى القارىء . وهذا ماسوف يتكفل به المقطع الثالث والأخير.
يتكون المقطع الثالث من جملة واحدة . ( هنيئا لكلابك ) .. والنص كله هو انطلاقة مكثفة بليغة فى اتجاه الجملة المتفجرة . اقتران الجملة فى ذهن الرجل بالمشهد الاستهلالى – حيث يتخاطف الصبية الطعام – يفجر شحنة الطاقة ، حيث تتولد العاطفة التى لمستها فى كافة التعليقات التى تناولت النص.
تكنيك جيد . مهارة ووعى فى استخدام التكثيف الفنى الراقى بحيث أمكنه حشد التفاصيل وتنمية الأحداث فى اتجاه الذروة ليصل الى الخاتمة المتوهجة فى اقل من ثلاثين كلمة.
تحياتى لصديقى المبدع بسام الأشرم.