النص للكاتب شفيق الموعي

رابط النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

بعيداً عن الإرهاصات التاريخيّة لنشوء فنّ القصّة القصيرة جدّاً، وعن مراحل تطوّره في التجربتَين الغربيّة والمحلّيّة، نلاحظُ أنّ عالمنا الذي يرقصُ على إيقاع سريع، ضاق فيه نفَسُ القارئ عن الكتابات الطويلة، فانقلبتِ القصّة القصيرة جدّاً على معظم الأجناس الأدبيّة، لتحجزَ لنفسها كرسيّاً تحت أضواء الشهرة، وتحتلّ لجنسها مساحاتٍ واسعةً في الشعبيّة الأدبيّة، ومن أمثلتها الناجحة يتألّقُ بروعته نصّ بديع للأديب شفيق الموعي،
وهو بعنوان: ( لا مومياء )
لا مومياء: عنونةٌ لوتْ عنُقَ النجاح باقتدار، عبر تحقيق الشروط المطلوبة من إفرادٍ وتنكيرٍ وإيحاء، ويضاف إليها الانقلاب الدلاليّ الذي أحدثه النفي عبر أداته (لا) ، ممّا زاد العنوانَ عمقاً وإيحاءً وتشعّباً وجاذبيّة.
وإذا كان لفظُ (لامومياء) يعني بدلالته اللغويّة الجسدَ المحنّط / الدواء (ومع نفيه اللادواء واللاشفاء) ، فإنّه في دلالته الرمزيّة يُثيرُ خيالَ المتلقّي، ويُحرّضُ ذهنه لقراءة النّصّ بغيةَ إسقاط دلالاته، واستقصاء ظلال معناه.
ويستهلُّ الكاتب نصّه بجملة مفتاحيّة، تتحدّدُ في قراءتها الأولى هويّة المكان ( /في غرفة الإنعاش/ حار الطبيب أمام جسد “هاجر” ). وفي تخيّر الكاتب للفظ جسد دون جثّة تعبيرٌ عن تفاؤل وأمل، لكنّ لوضع اسم ” هاجر ” بين مزدوجَين إشارة رمزيّة تتّسعُ دائرتها لتحيطَ بمهمّة الطبيب وماهيته. وهذا ما لا نستطيعُ فهمَه إلّا بعد أن نلجَ إلى المتن، ونستطلع خباياه، وهنا تبرز براعة الكاتب في تفعيل علامات الترقيم، وتوظيفها خدمةً لمقاصده، وتجليةً لمعانيه،
ثمّ يُطالعنا الكاتبُ بجملة تمهيديّة تعمّق الحَيرةَ، وتُحدث عصفاً ذهنيّاً لدى المتلقّي، وتدفع بالخطّ الانفعاليّ لديه إلى وجهة تصاعديّة (لم تسعفْهُ سمّاعتُه) وتبدأ العقدة هنا ، فأداته المعرفيّة فشلتْ في تحديد العلّة، وتشخيص المرض، ليُعقبَها بجملةٍ أخرى تزيد من تأزّم الحدث ( وأجهزة الكشف الحديث أشارت إلى فراغ …). والفراغ خواءٌ وموتٌ واندثار.
وفي المتابعة نلاحظ أنّ الكاتبَ يوجّه الضوء في أكثر من اتجاه، ويُحدثُ لإضاءاته نقلاتٍ زمكانيّةً ليحيطَ بالحالة، ويعاينَها، ويشخّصَ أسبابَها بعمليّة بحث أكاديميّ مضنٍ وطويل، ولذلك نراه يستخدم الفعلَ الحركيَّ (نزعَ) ظاهراً مرّة، ومُقدّراً مرّتَين ( نزع عن الوجه حُطامَ المدائح المقدّسة)، وفي نزع الشيء عن الوجه كشفٌ وتعريّة، وربّما جرأة ومخاطرة، لكنّ القناعَ هنا ليس كما ألفنا، بل هو هالة من القداسة المسيّسة، حجبت ملامحَ الوجه، وشوّهتها.
وهنا تتبدّى الملامح الأولى لوجه (هاجر)؛ فإذا بمؤشّر الرمز في شخصية البطلة يتوجّه إلى الأمّة الإسلاميّة في امتدادها العربيّ على أقلّ تقدير، وإذا بالطبيب باحثٌ أكاديميّ حصيف، يدرس الإسلامَ وتاريخه وحضارته وخباياه وآفاقه.
وفي اتّجاهٍ آخرَ للضوء،ونقلة ثانية يتكشّف التدليس الحاصل على أيدي المنظّرين الإسلاميين، ورجالات الفقه الذين عاثوا فساداً في تفسير النصوص وتفسيرها ، وافتراء الكثير من الكلام “المقدّس” ومراكمة المؤلّفات الفقهيّة التي أضاعت بوصلة الأتباع،وحرفت وِجهتَهم وصراطَهم المستقيم، وأرضعتهم لبنَ الكراهية من الصدر الذي سمّموه : (وعن الصدر تهافت الفلسفة).
وبخطٍّ متوازٍ يتابع الكاتبُ عملية النزع والإضاءة، ليُفاجئنا بكثافة الفتاوى الجنسيّة (وليس آخرها فتوى جهاد النكاح، ولا فتوى التكبير على أيّ فتاة أو طفلة أو امرأة، لتصبح مجبرةً حلالاً للمكبّر عنوة ورغم أنف الوالد أو الزوج) كما يحصل في سوريا مثلا.
وتستمرّ الإثارة في هذا المشهد الدراميّ، لتوصلنا إلى نهاية تراجيديّة يعرضها الكاتب بجملة:( فإذا طَوْدٌ من الأعضاء الجنسيّة اليابسة ) وما في ذلك إلّا استنكارٌ لثقافة خالفتْ أولى كلمات الوحي (اقرأ)، لتنصرفَ خلفَ إغواءات الغريزة وأهواء النّفس، فتسطّر طوداً من تراث الجنس، والأعضاء اليابسة، وفي صفة اليباس حكم بالموت والأفول والاندثار؛ لأنّ الحضارةَ القابلة للحياة تُبنى على جماجم المفكّرين والعلماء، لا على تلك الجبال التي شيّدوها.
وإذا ما شبّكنا ثلاثيّة ( الوجه والصدر والعجز ) ارتسم لنا خطٌّ بيانيٌّ منحدرٌ لصيرورة تلك الحضارة المأزومة.
أخيراً يُنهي الكاتب قصّتَه بقفلةٍ خالفتِ المتوقّع، وكسرت قوالب المألوف، وتوشّحت بلغةٍ حداثيّةٍ رخيمة جمعت بين الانزياح، وفرادة التصوير، وعمق الوخز والتأثير، وبُعد الدلالة والإيحاء ( ختم تقريرَه: جلطةٌ حجريّة). وتقرير الطبيب الباحث هو حكم يعتمد الموضوعيّةَ التي ارتأت ـ برأيه ـ أنّ الفناء هو مآلُ أمّةٍ تحجّرت فيها العقول، وما فتئت تجترُّ أحقادها البينيّة، وأفكارها الخشبيّة غيرَ آبهةٍ بضرورات الواقع، ووعيد الانغلاق.
لكنّ الواضح في كلّ ذلك أنّ الانتماء النقيّ عند الكاتب لهذه الأمّة، هو ما فجّر براكين غضبه من واقع عربيّ متردًّ ومنبطح، غدا فيه أغلب حكّامنا مطيةً لمشاريع الطامعين والحاقدين بعيداً عن مصالح الأمّة والشعب.
كلّ الشكر للأديب الكبير شفيق الموعي الذي عركَ الحياةَ، وخبر أوجاعَها، فأتحفنا بهذا النصّ المائز .

أضف تعليقاً