للكاتبة هداية مرزوق

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

و من روعة الشاعرية و اللغة المتوهجة في هذا النص، و من القراءة الانطباعية له ننطلق إلى القراءة الفنية التطبيقية التي تتطلب منا رؤية مدى تحقيق هذا النص لأركان و شروط القصة القصيرة جدًّا…و أفضل أن أعرض ذلك على شكل نقاط لسهولة القراءة و التلقي:
1ـ العنوان: لحنٌ حزين: نكرةٌ تخفي وراءها الكثير من التساؤلات و التأويلات التي لا يمكن إدراكها إلا بقراءة النص…و ما بين العنوان و القفلة تظهر الصلة واضحة فكما يبدأ النص بلحنٍ حزين ينتهي بواقعةٍ حزينة ليكون العنوان حاضرًا في المتن و القفلة.

2ـ الحجم القصير للنص: و ليس المقصود هنا عدد كلمات النص و لكن زمن كتابة النص، فقد نجحت الكاتبة في عرض حدث طويل واقعيًّا قصير كتابيا رغم استدعائها للذكريات التي عادة ما تفرض على الكاتب الإطالة و بالتالي الاقتراب من القصة القصيرة أكثر من القصة القصيرة جدًّا، فمن حيث عدد الكلمات التي لا تتجاوز نصف صفحة استطاع النص أن يحقق ذلك و كذلك من خلال عرض الحدث استطاع أن يكون قصة قصيرة جدًّا بامتياز، فهناك شخصية محورية واحدة هي الراعي، تم تقديم شيء من تفاصيلها من خلال شخصيات فرعية لم تلجأ الكاتبة إلى التفصيل في أي منها بل هي أيضا لم تفصِّل في صفات الشخصية المحورية، و كان الحدث الرئيسي و هو قتل النعجة التي اجتازت الحدود المرسومة للجميع بشرًا و حيوانًا، و هذا الحدث يمثل لحظة خاطفة لم يستغرق عرضه سوى القليل من الزمن و دون أي انتقال في المكان، و هذا ما يتماشى أكثر مع القصة القصيرة جدًّا.

3ـ المفارقة: كانت حاضرة في النص و إن كانت تحتاج للتمحيص و التدبر للقبض عليها، فالسير المنطقي للنص يفرض توقف الراعي عن العزف على الربابة بعد وقوع حادث القتل للنعجة، لكنَّ ذلك لم يحدث و استمرّ الراعي بالعزف…لأن ذلك العزف حقيقة ما هو إلا أغنية المقاومة المستمرة و لا يمكن التوقف عنها لمجرد ضحية أخرى من ضحايا العودة للوطن.

4ـ الإيحاء: لم تستخدم الكاتبة لتقديم فكرتها عبارات مباشرة و رنَّانة أثقلت كاهل قصصنا الوطنية و أشعارنا القومية طيلة عقودٍ مضت بل هي اعتمدت قصة بسيطة غاية في الواقعية و مع ذلك غاية في الشاعرية و الإنسانية محققةً بذلك الهدف المبتغى، فأوحت من خلال لغة لمَّاحة رقيقة إلى ما تريد دون الوقوع في فخ الخبرية و المباشرة، فهي نجحت تمامًا في التلميح و تجنَّبت التصريح.

5ـ التكثيف: ربما احتاج النص بعض التكثيف، لكنَّنا ربما كنا سنحرم من تلك اللغة الشاعرية و من تلك الانتقالات الجميلة ما بين الواقع و الذكرى و بالتالي فإنَّ التكثيف الذي يسيء لجودة النص و لغته يكون من الأفضل تجنبه، و يجب أن يكون التكثيف وسيلةً للسرد و ليس غايةً له، حتى لا نلغي وجود بعض النقاط البرَّاقة في النص و التي هي ربما ما يمنحه قوته و جماله…و هذا ما قامت الكاتبة بفعله هنا بامتياز.

6ـ اللغة الشاعرية: أعتقد أنني لن أشرح كثيرًا عن حضورها في هذا النص لأنني تكلمت و قدَّمتُ عنها كثيرًا و هي واضحة في كل جملة من جمل النص.

7ـ الرمز: هذا النص زاخر بالرموز العامة و التي أضحت في عالم القصة القصيرة جدًّا أهم من الرموز العالمية المعروفة لأنها تمثل حالة مجتمعية تمس حياة القارئ بشكل مباشر و تقترب أكثر و أكثر من نبض الشارع، و إن استخدام هذه الرموز لهو أكثر صعوبة و تعقيدًا من استخدام الرموز العالمية…الرمز يتمثل في هذا النص بعدة أمور منها الربابة التي تشير إلى الحزن العربي على خسارة فلسطين و عدم القدرة على استعادتها حتى الآن…السور الذي يرمز لحدود الوطن الذي لا نستطيع حتى الآن تحطيمه و تجاوزه…الشجرة الهرمة و النهر اليتيم من رموز المقاومة…و قد استطاعت الكاتبة هنا توظيف هذه الرموز بحنكة و اقتدار.

8ـ القفلة: هنا تمتلك خاصيتين مهمتين برأيي أمنَّت لها التميز و قوة الوقع على المتلقي…الميزة الأولى أنَّها امتلكت عنصر المفاجأة المطلوب فالعدو لم يكتف بالقتل بل قام بتعليق الجثة على السور و هذه قفلة تفضح و تعري زيف الادعاءات العالمية بحق الشعب الفلسطيني في العودة و وقوفه موقف المتفرج و هو يرى ذلك الإجرام و التمادي اليهودي بشكل مستمر… و الميزة الثانية التي امتلكتها القفلة هنا هي تلك اللغة المؤثرة لتترك أثرًا لا يمكن انتزاعه بسهولة من عقل و فكر المتلقي….فرغم الموت الظاهر و الحاصل إلا ان الربابة تستمر في العزف عزف لحن النضال و الاستمرار في المقاومة، و هنا يتضح قيمة القفلة في طرح الهدف و الرسالة التي يريد تقديمها النص.
إذا نحن أمام نص كبير و كبير جدًّا…نص عميق..نص شاعري بامتياز يطرح قضية و رسالة و هو لا يطرحها بلغة جافة و إرشادات وعظية بل يقدمها من خلال نص بسيط لكنه من العمق بما يكفي لاعتباره من نصوص القصة القصيرة جدًّا ذات اللغة الشاعرية و التي يمكن الاحتفاء بها عالميًّا…فالمتمكن و الخبير في القصة القصيرة جدًّا يعي كم هو صعب أن تكتب هذا النمط من القصص بلغة شاعرية و كم هو صعب أن تحافظ على تلك الشعرة الرفيعة الفاصلة بين قصيدة النثر و الخاطرة و بين القصة القصيرة جدًّا.
شكرًا لك أستاذة هداية…كنت سعيدًا جدًّا بالولوج إلى عالم هذا النص الماتع…و الذي أتمنى أن أكون بالفعل قد لامست شيئا منه إن كان على مستوى النقد الانطباعي أو التطبيقي…
تحيتي و أمنياتي لك بالتوفيق الدائم بإذن الله.

أضف تعليقاً