للكاتبة ايمان السيد
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
مدخل عام : عالمنا المعاصر ،عالم فقد فيه الإنسان إنسانيته ،وأصبح اكثر استيحاشا يعمه الخراب والغرق في قوقعة الأنانية ، فغابت القيم الإنسانية ،فأصبح الشخص الواحد يتغذى على جمل محمر ،في أكياس من الأرز الصيني الممتاز ولوحده ،في حين يقتات الملايين على فضلات الحشرات ، والديدان . فكثرت الحروب ، والنزاعات ، وامتلأ هذا العالم بكل جماعات < أوكنر > من مأزومين وهامشيين ومضطهدين ،فكثر الخارجون عن القانون وعمت الفوضى والفساد ودمر الإنسان والعباد .
هذا العالم كالمستنقع الذي تجدفيه القصة القصيرة نفسها ، وتزدهر فيه لأنه الأداة الطيعة التي تعبر فنيا على تناقضات هذا العالم ، وهدفي من هذا التقديم البسيط هو أن أفرش الأرض المناسبة لتشريح هذا النص (< أنا حي > ) الذي تفتق عن ذاكرة الأستاذة إيمان السيد .في هذا النص أثارت انتباهي ثلاث عبارات ربما تعتبر بؤرة النص بأكمله على اعتبار أ ن هناك من الكتاب من يضع عصارة نصه في العنوان أو البداية الاستهلالية:
العنوان / البداية الاستهلالية : عنوان النص هو ( < أنا حي > ) ورد جملة إسمية مكونة من مبتدأ هو الضمير المنفصل( أنا ) الدال على المتكلم ، وخبر وهو ( حي ) فيخبر المتكلم عن نفسه بأنه حي ، ماذا يعني هذا هل كان في حالة وفاة ؟! على مستوى المعنى الحقيقي ، عنوان يجعل القاريء يبحث في وضعية المتكلم ، وربما معرفة هذه الوضعية لن تتأتى له إلا من خلال الانصهار الكلي في بوثقة أحداث النص ، والمشاركة الفعالة في بنائه ، لكن لا نستبق الأحداث على اعتبار أننا سنعالج هذا المحور في هذ ه المقالة النقدية بكل تفاصيله، مايهمنا هنا هو هل تمكنت القاصة من اختيار العنوان المناسب ، لأن العنوان هو المفتاح الأساس للإمساك بالقاريء لأنه صعب المراس ، والقبض عليه أصعب من القبض بكثير على أرنب أو فرس هندي متوحش جامح، كما يعبر عن ذلك القاص المتميز هوراسيو كيروغا من الأروغواي : < <القبض على أرنب أسهل من القبض على القاريء >> ونجاح العنوان يعني نجاح الكاتب في الأخذ بزمام الأمور ، وما يثير دهشتي هو أن هناك بعض الكتاب يكتبون نصوصهم بدون عنوان ، وهذا في اعتقادي الشخصي خطأ فني وأدبي كبير ، فأول درج في سلم القصة هو العنوان ، وأعتقد جازما أن قصة ناجحة في جذب القاريء تعتمد على العنوان والبداية الاستهلالية ، وهذه أظنها مسألة منطقية ، فدكان الملابس الجاهزة لا يستهويك إذا لم تكن واجهته جذابة ،أنيقة ومرتبة ، لأن عملية الإبداع هي نوع من التحايل على المتلقي في أي مجال فني ، سواء كان لوحة زيتية أو قصيدة شعرية أو قصة أو رواية مادام المتلقي هو المستهدف من العملية الإبداعية برمتها .ولا تقتصر تقنية السيطرة على القاريء وإجباره على متابعة القراءة على العنوان فحسب وإنما هناك بداية استهلالية ، بساط حرير نبسطه أمام القاريء ليدخل غمار قصتنا دون ملل أو توجس ، فالتقديم نصف النجاح .
وكانت البداية الاستهلالية في نص الأستاذة إيمان السيد حسب اعتقادي ناجحة ، حيث استهلت نصها بكلمتين مترادفتين لكنها يكادان يفقدان هذا الترادف بمجرد توظيفهما في السياق اللغوي العام ، فالهروب قد يقصد به الانسحاب الناتج عن الجبن والخوف ، فنلوذ طلبا لسلامة انفسنا ، ولو كان هذا ترادفا لما استطردت الكاتبة كلمة هروب وأتبعتها بفرار ، فالفرار قد لا يعني الانسحاب جبنا ،وإنما كمراوغة من أجل إعادة الهجوم ، مصداقا لقول الشاعر الجاهلي الذي كانت تعني له هذه الكلمة عكس ما يمكن أن يخطر على بالنا نحن من ترادفها مع كلمة هروب يقول أمرؤ القيس “:
مكر مفر مقبل مدبر معا ^^^^^^^^^^^ كجلمود صخر حطه السيل من عل
وربما استطردت الكاتبة وغيرت كلمة هروب بكلمة فرار حتى لا تقع في مستنقع الجبن ، إذن تظافر بنيات معاني العنوان والبداية الاستهلالية من الخيوط الرئيسة التي تشد القاريء شدا لمتابعة أحداث النص ، وهنا بطبيعة الحال تكمن حرفية كاتب القصة القصيرة ،وسأعالج هذه النقطة في هذه المقالة ، خصوصا وأننا أصبحنا نعيش في عالم مفتون بقراءة العناوين ، باحث عن السهل الذي لا يكلفه صداع الرأس ، فالمبدع إذن مطالب بأن يكون كالحرباء يغير لونه حسب تغير مزاج القاريء .
وأعتقد أني أسهبت كثيرا في هذا المحور ، وإن كان كذلك فلأني أومن بأن القصة تبدأ من أول كلمة إلى آخر كلمة ، وأول كلمة لا يجب أن تكون كباقي الكلمات ، بل تكون الجوهرة البارزة في العقد بروز العروس في حفل زفافها ، ولا يفوتني الاستشهاد بوصية من وصايا رائد من رواد القصة القصيرة وهو هوراسيو كيروغا يقول :”
“لا تبدأ بالكتابة دون أن تعرف أين ستذهب من أول كلمة ،في القصة القصيرة الجيدة الثلاث الأسطر الأولى هي تقريبا بأهمية الأسطر الأخيرة “.
محتويات النص : ما أثار انتباهي في هذا النص الجميل جدا هو اشتغال الأستاذة إيمان على اللفظ والمعنى ، قد نقول لا لفظ بدون معنى وأن هذه مسألة بديهية ، فعلا لا معنى بدون لفظ فهما متلازمان كتلازم الموت والحياة أو الماء والنار ، ولكن يبقى الاختلاف واضخا ، فارقا أساسيا بين المبدعين في طريقة التعبير عن هذه المعاني ، فأن تنقل الفكرة مباشرة إلى المتلقي دون أن تدذغذغ فيه ملكة التفكير وطرح السؤال تختلف عن ذلك الذي يحلق باالمتلقي في عالم السؤال ، ولا يعنيه الجاهز ،فأنا شخصيا أعتبر الجاهز قتل للإبداع واعتداء على المتلقي ، وهذا هو الذي يثير الإعجاب في هذا النص ، أن الأستاذة إيمان ، لم تعبر عن أفكارها بلغة سائدة مبتدلة مباشرة وسنرى ذلك عندما نكون بصدد دراسة محور اللغة .
تعبر الأستاذة إيمان السيد في هذا النص عن استيحاش هذا العالم ووحشيته ، الغارق في القتل والتدمير والخراب ، هذا العالم الذي لم يعد أهلا لوصف قانونه بقانون الغاب ، لأن هذا القانون أكثر رأفة بالخلق والعباد .
الحيوان يقتل عندما يجد نفسه في حاجة ماسة إلى القتل من الحياة أي الموت من أجل الحياة ، أما عالم الإنسان الأناني فقد أصبح القتل فيه أيقونته المقدسة :يقتل من أجل القل أي الموت من أجل الموت وليس الموت من أجل الحياة كما هو الشأن بالنسبة للحيوان ، فمن هو هو الجدير بلقب الحيوان!؟ الأستاذة إيمان تعالج هذه الظاهرة من منظورها الخاص أو من منظور ضمير المتكلم الذي وظفته في النص، الهروب أو الفرار سيان إلى أين ؟! فحتى لو تم الهروب المادي من مكان إلى آخر ، فهل يمكن الهروب أو الفرار من الخوف الذي استوطن أنفسنا، وأصبحنا نعيشه في كل مظهر من مظاهر الحياة ، فهل يمكن الفرار : من أنفسنا ، منا ، من حياتنا ، من تفكيرنا ، من مصيرنا الذي سرقه القتلة واللصوص هؤلاء الذين دثروا الأجساد بصقيع الموت ، !! هؤلاء الذين وأدوا الفرحة في أعماقنا ، وسرقوا منا أحلامنا وأبوا إلا أن يحولوها إلى كوابيس ، لكن رغم الداء والأعداء ، يصيح ضمير المتكلم ، في ثنايا النص “أنا حي!!.انا حي !! انا حي !!” في تحد وعزيمة وإرادة لا تقهر ، فهم يقتلون ونحن نحيا وسنحيا رغم أنوف القتلة المدمرين ، هم يدمرون ونحن نبني ، فنحن أحياء !! ،نحن احياء !!انا حي !! انت حي !! كلنا احياء !! وسنبقى أحياء ، هذا التحدي الذي تميزت به الكاتبة في هذا النص ، فرغم صقيع الموت ، فأيقونة الأمل هو “أنا حي ” هذه عبارة ستقاوم صقيع الموت ، وستقتل الدمار وتخنقه في أنفس المدمرين ، لكن أقول ،وبكل تجرد هذه قراءتي الخاصة لتيمة النص ، والنص الادبي الناجح كما هو معلوم في عالم الأدب هو ذلك النص الذي يفتح دراعيه لتعدد القراءات ، وتتوقف حياته على هذا التعدد ، فالتأويل، يبقى مسألة شخصية تبعا لتصورات القاريء أو الناقد على حد سواء واختلاف القراءات إثراء وغنى للنص ، وأظن أن هذا الزخم اللغوي الباذخ الذي وظفته الأستاذة إيمان السيد بكل حنكتها الإبداعية ستكون طبعا وراء هذا التعدد من القراءات والذي أتوقع شخصيا أنه سيكون ضخما .
المقومات الفنية للنص : من المقومات الفنية الأساسية في هذا النص ، المكان والزمان ،باعتبارهما من العناصر الضرورية والأساسية في كل نص سردي سواء كان قصة أو رواية أو حكاية ، أو أي جنس من أجناس السرد ، وإن كان العنصران يختلفان حسب الأحداث التي تجري في هذا المكان والزمان .
المكان : هو في هذا النص ذلك المسرح الذي تجري فيه الأحداث ، هو مكان العهر والقتل و الفتك والتدمير ، مكان يتغذى فيه الخوف على قلوب الناس الذين فقدوا مكانتهم الإنسانية في مكان عمت فيه الفوضى والفساد الأخلاقي الذي لم يعد فيه الانسان يعرف إلا لغة التدمير ، والمكان هنا غير مصرح به من طرف الأستاذةإيمان السيد وإنما يمكن استنباطه من خلال تحركات الأبطال ، وهو في نظري مكان عوض أن تستقر فيه السارد يستقر هو في نفسه ، فالهروب من الخوف . هو هروب من شيء مستقر في نفس السارد، وليس مكانا ماديا ، يمكن أن تجري فيه هذه الأحداث أو تلك ، وهنا يكمن الانزياح ، والعمل على توظيف الترميز الذي يعطي للنص أبعادا خاصة تستوجب العمل الجاد لتفكيك رموز النص ، وتحليلها وتأويلها ، وأعتقد أن أي قاريء سيقرأ المكان من وجهة نظره الخاصة تبعا لرؤيته الرمزية والمعرفية ووفق خلفيته الثقافية و هذا أعتبره كناقد يثلج الصدر ما دمنا نشتغل على عالم افتراضي كله انزياح، وكله بلاغة غموض ،ولا نشتغل على مقالة اخبارية .
الزمان : إن عنصر الزمن لا يقل أهمية على عنصر المكان باعتبارهما الأساس ، كما سبق أن قلت في عنصر المكان ، وسأركز هنا على زمنين متبايين ، وهما الزمن الذي وقعت فيه الأحداث ، وزمن آخر غالبا مانهمله في تحليل النصوص السردية وأقصد الأزمنة الصرفية التي التي يوزعها السارد ، وفق الأحداث ، من أفعال ماضية ومضارعة وأمرية أي ماهو متعارف عليه بالأزمنة الثلاثة (الماضي/ الأمر/ المضارع ) الزمن نفسه هو زمن العهر ، الزمن الذي تفسخت فيه إنسانية الإنسان ، زمن تحول فه الإسان إلى وحش وليس إنسان لأن الحيوان أصبح أرقى قيما وأخلاقا من البشر ، فالأسد يفاجيء الفريسة ، حتى يخفف من ألمها أما الإنسان ، فأصبح يتلذذ بتعذيب الآخرين ، وتحول إلى مريض سادي ، يغتسل بالدم ويقتات على الذبح . هو الحجر الأصم ،لا محالة ، إرادة واحدة كفيلة بهزيمة هذا الزمن ، المتعهر ، إنها إرادة الحياة ، الصراخ وسيلة التعبير بملء الفم والجوارح : فلنصرخ جميعا نحن أحياء !! نحن أحياء!! رغم موتكم المغلف بالصقيع رغم برودة دمكم ، إن لكم دما ، ،هذه صرخات السارد : إنه سينبعث من تحت الرماد ، إنه طائر الفنيق ..إنه طائر العنقاء ، والانبعاث من تحت الرماد ، حياة . ولعل العدو اللذوذ لأعداء الحياة هو الانبعاث من تحت الرماد .
الأحداث : لقد سبق أن أشرت إلى أحداث النص في تطرقي لمكوناته ، ويمكن تلخيصها في تيمة أساسية وهي الهروب من الموت ، والتمسك بالحياة ، فالسارد يتمسك بالحياة رغم أنه لا يريدها ، لأنها سوف تحرمه من رؤية أمه وأبيه ولكن من جانب آخر فالتمسك بالحياة ، يحرم القتلة من لذة الانتصار في القتل فممارسة لعبة الصراخ ( أنا حي ) دليل على التمسك بالحياة رغم الأعداء ، فالحياة لن تمحى ولن تزول رغم أنه مدثر بصقيع الموت ، وقد عبرت عن هذه الفكرة بانبعاث طائر العنقاء من تحت الرماد ،دليل على أن الحياة ستحيى وأن القتلة لن يأخذوا من تمسك السارد بهاك و يحظى بشرف الصراخ ،،يحظى بشرف الحياة ولا يخاف صوارم القتلة .
الشخوص : من خلال محاولتي للتعريف بالشخوص ،لجأت الى استنباطها من خلال الضمائر التي وظفتها الأستاذة إيمان السيد في هذا النص ، فتبين لي انها تتراواح ما بين ضمير المتكلم بنوعيه ( المفرد/ والجمع ) وكذلك ضمير المخاطب ، فيتوزع الكلام مابين المتكلم المفرد والمتكلم الجمع والمخاطب المفرد ومن حين لاخر يعن ضمير الغائب أو ما شابه ذلك ، ولكن ما ركزت عليه الكاتبة من شخوص هو ضمير المتكلم المفرد باعتباره الشخصية الرئيسة في النص ، وما عداها ، يساهم في تنمية الحدث ، وتساعد على صعود درجات سلم النص ، بصفة عامة . وسيتوضح لنا ذلك عندما نكون بصدد الحديث عن تقنية السرد والسارد وغيرها من الثقنيات الفنية الاخرى .
**تقنية السرد : يتوقف نجاح القصة وتأثيرها على المستوى السلبي أو الايجابي في نفس القاريء على هذه التقنية الأساسية والمهمة في النصوص السردية بصفة عامة ، فالسرد هو كيفية حكي الأحداث التي يتوفر عليها النص ونقلها إلى القاريء او المتلقي ، انطلاقا من مؤثرات تختلف من سارد إلى آخر، تعمد الأستاذة إيما ن السيد في هذا النص إلى نقل ذلك الجحيم الذي تعيشه ضمائر هذا النص ، وقد فضلت استعمال < ضمائر > لأن الكاتبة فضلت استعمال الضمائر عوض الإفصاح عن هوية هؤلاء الشخوص إلا لماما ،وحرفية الكاتب تكمن أساسا في نجاحه في تقديم شخوصه سواء لعب دور الراوي أو ناب عنه غيره في ذلك . في هذ ا النص لجأت الكاتبة الى توظيف السارد ، الذي يتساوى مع الشخصية ، الأساسية التي تلعب دور البطولة ، وليست هذه الشخصية إلا السارد نفسه ،فهما يتساويان في نقل الحدث إلى المتلقي ، ويسيطر السارد على مجريات أحداث النص، ويتضح ذلك من خلال ، استعمال الكاتبة لضمير المتكلم بنوعيه من حين لاخر ( ضمير المتكلم / الجمع ) وقد تم التركيز أساسا عليهما معا ، وقلما تستعمل ضمير الغائب .
أما بالنسبة للازمنة التي وظفتها الكاتبة في عملية صناعة الحدث فقد تراوحت ما بين الماضي والمضارع والأمر ، لكنها تختلف من حين لآخر عن دلالاتها الصرفية المعهودة ، اذنجد الأفعال المضارعة وظفت في الماضي لكن للدلالة على استمرارية الحدث ، وساعطي هنا أمثلة فقط ولن أقوم بجرد جميع الأفعال المصرفة في النص لان المجال لا يتسع لذلك ، فمثلا المضارع الدال على الاستمرارية (موت يجثم على الجدران ) تتوسلني أن الوذ بها ، وتختلف وظائف المضارع في النص ، تبعا لطريقة التوظيف وحسب الملتصقات التي تحدد معانيها ، كان تقترن بلا الناهية أو النفية أو قد التي تفيد التحقيق ، لكنها تفيد الشك خصوصا في الجملة (قدتنوب إذا لفها الطغيان ) او تقترن في أحيان أخرى بلام الأمر أو إياك التحذيرية أو ما شابه ذلك ، ولست هنا في هذه الدراسة أقوم بعملية إحصائية للأفعال وأزمنتها وإنما أريد أن أعطي أمثلة قصد توضيح بعض الأمور ، لهذا فان القاريء سيلاحظ هذا التنويع في الزمن لكن يطغى المضارع وإن اختلفت دلالاته من استعمال إلى آخر وحسب سياق الجملة التي ترد فيها وكل هذه القضايا تتضافرفيما بينها لتعطينا هذه الجماليات التي يتميز بها هذا النص .
اللغة : أشرت أكثرمن مرة إلى أن الأساليب تختلف من إنسان إلى آخر ، فنستعذب هذا وترتاح له أذن السامع ونستهجن ذلك فتنفر منه الاذن ، نستسيغ صوت العندليب ونكره أصوات الحمير ، قد يقول قائل ما علاقة هذا بذاك أو باختلاف الأساليب، فما نقوله عن المنطوق نقوله عن المكتوب ، يعجني أن أشبه اللغة بالسوق الزاخر بما لذ وطاب من الأطعمة والفواكه ، وكل يقتني حسب قدرته الشرائية ، اللغة كذلك هي هذا الكم الهائل من المقولات اللغوية ، التي تكون فضاء لغويا فوضويا ، تتحكم فيه القدرة المتكلمية ، هذا يعني أن المتكلم ، يتدخل ويقتني ما يناسبه من هذه المقولات اللغوية ، فيرتبها في أنساق لغوية مختلفة ، هي ما كان يصطلح عليه النقاد القدماء بالنظم . فبراعة الكاتب في نظم الكلمات والمقولات اللغوية هي التي تنحو باللغة إلى عالم الانزياحات وبلاغة الغموض ، وهذا ما نلاحظه في هذا النص حيث اشتغلت الأستاذة إيمان السيد على اللغة وعلى المحتويات ، فعلى مستوى اللغة نجد أن الكاتبة تعمل على تكسير المألوف لتحلق بالقاريء في عالم الانزياح ، وتكسير المألوف يأتي عن طريق قدرة الكاتبة على إسناد كلمات قدتكون محسوسة إلى ماهو معقول وقس على ذلك ،في باقي التراكيب الموجودة ف النص ، هذا يعني ان الكاتبة على وعي تام بانها تستهدف من هذا التوظيف ،الانزياحي خلق نوع من الإدهاش في نفس القاريء ، إجباره على المساهمة في بناء النص ، والمشاركة في خلق الحدث ، فالقاريء السلبي لا وجود له في عالم الانزياح وبلاغة الغموض، وقلت بأن الاختلاف في الأساليب بين الإنسان العادي كما الإنسان المبدع ، هناك من الكتاب ، من يستعمل لغة تواصلية مبتدلة مباشرة ، فيقلب عليه القاريء الطاولة ، ويرفض قراءة نصوصه . لان هذا القاريء هو الذي يشكل شوكة في حلق المبدع الذي يريد كسبه ، فيكتب له ما يمتعه وما يحلق به فوق عالم الواقع ، فهو أصلا يهرب من هذا الواقع ، وكسب القاريء و التحكم فيه ومعرفة ذوقه هو ديدن نجاح المبدع ، ونجاح الأستاذة إيمان في هذا النص يأتي من هذه الميزة في اللغة ، فلغتها عذبة رقراقة تنساب انسيابا ،وتنزل على قلب القاريء المتذوق كقطرات الندى في الصباح الباكر .
قبل لحظات كنت في إحدى الحوارات مع القاص الساعدي ، وناقشته حول ، الانزياح ،في النص السردي ، فأجابني بأنه يهدف إلى السمو بالقاريء نحو جمال اللغة ، وهي فكرة اعتبرها بيت القصيد في كيفية إبداع النصوص السردية ، فلو لا هذا الانزياح والاستعارات والتشابيه وغيرها والتي كانت الى عهد قريب خاصة بالشعر ، أقول هذه الانزياحات هي التي تشرك القاريء في الرقص فوق الاشياء كما يقول نتشه :” اللغة نوع من الجنون العذب ،فعند الحديث بها يرقص الانسان فوق جميع الاشياء “.هكذا تلم زرادشت . اذن لا يمكن إلا ننوه بطريقة الأستاذة إيمان السيد على هذا الأسلوب الرائع الذي يجذب القراء كما يجذب مصدر الرحيق النحل ، ويرقى بمستواه اللغوي ويترفع عن تلك اللغة المباشرة ، التي تهتم بنقل المعلومة اكثر من الجماليات اللغوية ، وتحضرني في هذا الصدد قصة ابي تمام والذي كان يهتم كثيرا بالانزياح في لغته أن سئل يوما . يا أبا تمام لماذا لا تقول ما يفهم ؟؟! فأجاب ولماذا لا تفهمون ما يقال ؟! وهي مسألة اراها منطقية . إذا أردنا ان نسمو بمستوى اللغة والإبداع في اللغة العربية ،
خاتمة : وأقول لمن يحمل هم القاريء ، إن مجرد التفكير في القاريء اثناء الكتابة يفسد العملية الإبداعية برمتها ، عندما تكتب أغلق عليك جميع الابواب التي يمكن ان يتسرب منها أي مؤثر من المؤثرات الخارجية ، واعتبر نفسك جزءا لا يتجزأمن عالم شخوصك ، وكن فاعلا في أحداث نصك ،عش عالم قصتك كما لو كنت فعلا جزء منه ،يقول هوراسيو كيروغا في هذا الصدد ،:” لتكن لديك الثقة العمياء في قدرتك على النجاح أوفي رغبتك لتحقيق النجاح احك فنك الخاص كما لوكان صديقك،اعطه كل قلبك “. ويقول أيضا وفي المجال نفسه :” حين تكتب لا تفكرباصدقائك او التأثير الذي قد تحدثه قصتك ،احك قصتك كما لوكانت تهم العالم المحدود لشخصياتك والذي قد تكون جزءا منه هذه هي الطريق الوحيدة لتبعث الحياة في قصتك. “واعتقد ان هذه الوصايا لهذا القاص المتميز كفيلة بأن تعطنا فكرة صحيحة عن طقوس الإبداع في المجال السردي والله الوفق وكل من سار على الدرب وصل !!