النص للكاتب غريبي بوعلام

نص القراءة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

تقدمة:
إنّ شرّ المحدثات أن تستبدل الحقائق وتطمر ليبرز الباطل ويعلو، فعندما يُؤسر الحقّ ويُقيّد بقيد الجهل والظلم فهذا أمر عظيم، والأعظم منه أن يتسيّد الباطل ويجد من ينصره ويؤيده، وأنّه هو الحق المبين وما عداه هو الباطل.
وما نشهده من مجريات للأمور في وقتنا الراهن لهو شاهد عصر على ذلك، وهنا تكمن الطّامة الكبرى ، فكيف لأصحاب الحق أن تسود كلمتهم في ظلّ هذا التجمهر من أنصار الباطل…إنّه البلاء العظيم…قصّة (محنة) هي تجربة فريدة من نوعها، قام ببلورة فكرتها القاص المبدع غريبي بوعلام من خلال تجربة إنسانية لها خصوصيتها، أتت من العدم، لعلّها تفسّر ما يجري على أرض الواقع.
-العنوان:
محنة: جمع محنات ومِحن.
والمحنة: البلاء والشّدة، ممّا يمتحن الإنسان به من بليّة.
محنة، عنوان دلاليّ واضح له أبعاده النفسيّة العميقة في محور القصّة، بل هو الغطاء الشّفيف الذي يغلّف القصة من البداية إلى النهاية.
-التحليل الأدبي والفنّي للنص:
(بُعث من مرقده) تشبيه مجازي رائع، فالمبعوث مبني للمجهول يحمل عدّة تأويلات، فمن الذي بُعث من مرقده..الإنسان، منهج الحق، الشرعيّة..كلّها تأويلات تصبّ في محور القضيّة.
لماذا بُعث من مرقده؟ هذا هو السؤال الذّهني والتفكيري الذي سوف ترد إجابته من خلال الرؤية الفنيّة لثيمة القصّة.
(أخذ يتجوّل بشوارع المدينة) إذا المبعوث أطلق العنان لروحه للتجوال بالمدينة، فالمدينة ما زالت موجودة لم تتغير من حيث التضاريس الجغرافية ولم يُزحزح واقعها المتين كلّ تلك التغيّرات التي حصلت…إذاً ما الذي حدث فعلاً في قاع المدينة طالما المدينة ما زالت على حالها منذ الأزل، هنا تتضّح معالم القصّة الحقيقية، وتتجلّى معالم البعث الجديد للحقّ .
هو لم يُبعث من مرقده عبثاً، إنّما كان في حالة رقود، والرّقود لا يعني العدم، إنّما فترة غياب مؤقتة عن غياهب الزّمن كالغفوة تماماً، ومن بعدها يأتي الاستيقاظ، وفي ذلك تنشيط حيويّ لطاقات الحقّ، للبحث عن الأسباب التي أدّت إلى بعثه من جديد، وهذا يعني العودة إلى الصراع بين الضدّين من جديد.
(فجأة أصابه الذّهول، هدّه الذّبول) في هذه الجملة أراد القاص تبيان ردود الأفعال على واقعها باستخدامه لغة الإحساس ودورها في رسم الانفعالات الواردة من الجانب الإيجابي، لذا كان لزاماً عليه تجسيد هذا الجانب وإلباسه الرّداء الإنساني وتشكيله بصورة مجازية واضحة، ألا وهي الصبغة البشرية، لإظهار ردّة الفعل الحسيّة لهذا العنصر البشري الافتراضي، وكأنّه فعلاً بُعث من جديد، خالصاً بفطرته، نقيّاً بمشاعره، وممثلاً حقيقيّاً لمفهوم الحقّ الغائب الحاضر، وبالتالي فهو صادقاً في نقل النتائج السلبيّة والإيجابيّة، ومَن لذلك سوى الإنسان، ذلك المخلوق الجدليّ…لقد اتضح ذلك المفهوم تماماً من خلال ورود انفعالين من الانفعلات اللإرادية في متن القصّة (الذهول، الذبول) ليعبّر عنها استجابة للإشارات الحسّيّة الشّعوريّة الكامنة في محتواه الإنسانيّ.
(كاد يصعق حين علم أنّ الشارع الرئيسي يحمل اسم الذي نسج له الكفن) هنا تكمن القفلة المدهشة وغير المتوقعة في مسيرة البعث الجديد لهذا الشيء النقيّ…بالعودة إلى الفقرة السّابقة (أصابه الذّهول وهدّه الذّبول) نجد أنّ الصدمة التي أصابته رغم قسوتها وآلامها إلا أنّها لم تكن عنيفة بدرجة كافية لماذا؟!!
لقد اختزل القاصّ الإحداثيات التي حصلت في فترة الرّقود من تغيرات سلبية في شتى مناحي الحياة وانقلاب للموازين من نبذ للمنهاج القويم ورفض للعالم المثالي الذي كان يحلم ببنائه (المبعوث) صاحب الرسالة الإيمانية المنبثقة من فطرته النقيّة، والتي من أجلها أفنى عمره لتحقيق حلمه في مدينته الفاضلة.
كل ذلك أدّى إلى التساؤل عمّا حدث في فترة غيابه، وهل يُعقل أن تكون رسالته غير موثّقة ولا وريث لها..ليبدأ من جديد في البحث عن الحقيقة الغائبة وعن القوة المُؤثّرة في نسخ رسالته ويتفاجئ أخيراً أنّه يسير على الطريق الخطأ وأنّ بحثه مجرد عبثية فوق أرض غير أرضه وفي مكان غير مكانه وزمان لطالما سعى جاهداً لئلا يدركه وهذا ما أراده القاص تماماً من جملة (الشّارع الرئيسي) فالعلاقة الوجدانية بين البطل والشارع أصبحت مجرد حلم عاطفي فلم يعد هناك ارتباط وثيق بينهما كما في الماضي حين كان ارتباط الإنسان بالأرض ارتباطاً وجوديّاً، فقد زالت تلك العلاقة
وتلاشت حين علم أن اسم هذا الشارع قد استبدل باسم آخر لم يكن في الحسبان ألا وهو اسم جلّاده الذي فتك به في الماضي عندما كان مصرّاً على موقفه وثباته على الحقّ، فكانت تلك الإشارة هي الصدمة الأعنف بل هي الصعقة التي فتكت مرّة أخرى بالمبعوث القادم من زمن الحلم الجميل.
تحيتي للقاص المبدع الأستاذ غريبي بو علام من الجزائر، لقد نبغ وأبدع في سرده العميق في مآل الفكرة والجليّ في أبعادها.

أضف تعليقاً