النص للكاتب أكثم صالح
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
مقدمة في المعنى:
توظيف جميل لمسمار جحا في قصّة قصيرة جداً، حمل في طيّاته سخرية فاقت سلوك جحا ولخّصت عدميّة العصر. فالكاتب لم يقف على المعنى الذي أتاحه المسمار (Nail) كآلة معدنية دقيقة برأس وطرف حادّ يتم استخدامها لتثبيت الأشياء، ولا على المعنى الطبّي (Corn) الذي أتاحته صلابة الجلد وقسوته حين يحتكّ طويلاً بجسمين صلبين، بل نقّل مسماره في بياض السرد ليصنع عالمه القصصي بتميّز بليغ، والكاتب نقل الإطار من معناه الحرفي(Setting) إلى الجمعي (Framework)، ومن التزامه بالأشياء الجماد إلى التعميم في معنى التأطير ونهج العدمية بجعله البشر مجرّد أشياء. وجحا أراد أن يصنع لنا حكمة بليغة بطريق النادرة والطرافة عبر تلاعبه على قانون الملكية فأرسل مسماره في نعش القيم الأخلاقية المتّبعة ناظراً في البعيد الذي وصفته حكاية الكاتب، والذي مدّد الحكمة في نصّه “مسمار” لتشمل ظاهرة التنميط الإجتماعي والسخرية من كل ماهو قائم في عصرنا المباح.
الإطار ما أحاط بالشيء من خارجه لتحديده كتقنية الأشياء ومحركاتها، كما هو هيكل خشبي يحيط بفتحة حدّدها. واللوحة (Wall Painting) صورة مرسومة على لوح من الورق السميك أو النسيج، ومع الإطار واللوحة يقف النصّ على محموله الخارجي الذي شكّل صورة قابلة للعزل والاستبدال. وفي إدخاله الجدارية حافظ على الإطار واللوحة في سماكة الجدار وسمته لتصبح اللوحة جزئ لا يتجزأ منه، فالجدارية (Mural) قطعة فنيّة رسمت على الجدار أو الأسطح الدائمة تدمج بانسجام العناصر المعمارية للفضاء المحدّد في الصورة، ولعبة النصّ إنما قامت على استخدام موفق للمعنى الحسّي والمعنوي لتحقيق غايته في رصد الواقع وذيول حركته المتهاوية. فجدارية الجدار الذي هو رمز الحياة والبناء مصنوعة من الثقوب والعيوب المبهرة لأناس “لا يعقلون” ومكافئتها (النتيجة) هو الإطار المحرّك لكل ماهو كائن في عالم “مثقوب”.
قراءة في تشكيلة النصّ:
قصّة النصّ: وفّر النصّ عناصر القصّة في نمطها السردي الموسوم بالقصّة القصيرة جداً، مستخدماً تقنية الحوار الداخلي عبر حوار ضمني بالأفعال أساسه الراوي والمسمار، والراوي كما أخفى بياض السرد هو فنّان خبير في رسم اللوحات والجداريات التي تطرقت للفارق بينهما في مقدمة القراءة، كما استخدم الكاتب وهو الراوي نفسه باستخدامه ضمير المتكلم تقنية إنطاق الجماد بتمكينه المسمار من التخاطر ومحاورة الراوي لينتقل من واقع سلبي منفعل إلى مركز القوّة والفعل بإهداء الراوي في خاتمة النصّ للإطار الكامل. واعتمد الكاتب تقنيات التلغيز والترميز لتحقيق ما أخفاه سطح السرد وهو مبتغاه من النصّ باستخدام المعاني المختلفة لألفاظ اللوحة والإطار ثم إثارة الذهن بآلية الصدمة (Shok) للانتقال من السطح الذي تناول حركات الرسم والتعليق إلى العمق الذي عناه الانبهار بجدارية الثقوب. والإطار الجامع للنصّ القصصي الوامض هو أسلوب فانتاستيكي يقوم على خرق المألوف والعادة لتحقيق القيمة.
فحدث القصة اكتمل بعتبة الرسم وتطور الفعل الحركي لصناعة الجدارية ثم القفلة الإدهاشية بإهداء الإطار من المسمار للراوي والذي دفعنا للشرود في أعماق الكتابة واستبدال المعاني التي أتاحها المعجم الرمزي إلى المعاني التي أرادتها الثنائية اللغوية كسمة بارزة في عناصر القصّة القصيرة جداً، ومعها وضحت السخرية والانتقال من الخاص إلى العام في مشهدية الحدث الخاطف.
أشخاص القصّة ثلاثة عبّرت عنهم الضمائر، وهي ضمير المتكلم المفرد (الراوي) والغائب المفرد (المسمار) والجمع الحاضر الغائب (مخطوف الأبصار).
فضاء القصّة مكاني حيث الروي بالانفعال والتخاطر، والمكان بيئة أعدّت للرسم وصناعة اللوحات والثقوب ثم الجدار رمز الواقع المعاش والمليء بالرداءة التي صورتها الثقوب.
عثرات النصّ القصصي:
نتجت عن الخلاف بين شعرية القصّة وتقنية الشعر، ومكانها في النصّ علامات الترقيم، فالجملة القصصية معنوية مكتملة لا تقبل التقطيع، وإن قبل ذلك الحدث الجاري. أما العبارة الشعرية فتقف على النغمة وانفعال الشاعر فلا يهمها الحدث بقدر الموسيقى وإيقاع الشعر. وبالعودة للنصّ فجملة “كلما أنهيت لوحة ثقب الإطار” لا تحمل سكتة قصصية في الداخل لامتناع التوتر الحدثي، وهي تقبل السكتة بدافع الإنفعال الشعري. وكذلك عبارة “خطفت الأبصار” فصمتها السابق حجّم الارتباط بما قبلها، ولابأس هنا بصمت المتكلّم وإن طال ما دام الصمت يشير لارتباط بين طرفي الجملة القصصية السابق واللاحق من خلال استخدام دلالة النقطتين. والنصّ بالتعديل يصبح كما يأتي:
مسمار
كلما صنعت لوحة ثَقب الإطار!. عملتُ من الثقوب جداريةً.. خطفت الأبصار… أهداني إطاراً كاملاً!.