للقاص: حسين عبد الجيد
نص القصة
مَشَاعٍر مُتَفَاوتَة
على دربِ الهوى خفقَ القلبُ، ما أروعَ ذلك القلبَ المتيّمَ بتلك الحسناء! أيسلمُ لها أمرَه؟..ولم لا ؟!، هي ريمٌ متفرّدةٌ في كلِّ شيء، قطعةُ ثلجٍ ليسَ في برودتها فحسب، وإنّما في رونقها وشدّةِ جاذبيّها، وردةُ جوريّ، تفوحُ منها كلّ العطورِ لكلِّ العصورِ، تبادلنا ضحكاتٍ كطفلينِ، نلهو ونمرحُ ونعدو حتّى كدْنا نسبقُ ظلّنا، أفضى كلانا للآخر بمشاعر بريئةٍ، لمْ تكنْ أبداً في الحسبان، لكنّها حدثتْ ونمتْ وترعرعتْ وأينعتْ، ثمّ أثمرتْ حبّـاً، ما أروعَه! وما أجملَه!، أبداً لم نخطّطْ للخطوةِ القادمةِ، فحبُّنا عاقلٌ لدرجةٍ لاتتصور، عشنا معاً حكاياتٍ وحكايات، نبوحُ لبعضنا ما يحدثُ لنا كلَّ يومٍ، وإنْ غابَ أحدُنا؛ نرسلُ لبعضٍ رسائلَ بها نفسُ الكلماتِ ونفسُ الشوقِ الزائدِ بلْ نفسُ الظرفِ الطارئِ الذي من خلالهِ تغيّبَ كلانا، تشابهٌ ولا أروع بيننا، حاجةٌ غريبةٌ.. أنْ يحدثَ ذاكَ التوافقُ بهذا الشكلِ وبهذه الكيفيةِ، اقتنعَ بها تماماً.
أخذَ يحدِّث نفسَه: هذهِ هي منْ أحلمُ بها، فنعمَ الحبيبةُ والصديقةُ والزوجةُ الصالحةُ، الطريقُ إلى محرابها وعرٌ كلُّه أشواكٌ، لملمَ شتاتهُ، وحملَ فأسًا؛ ليهدمَ ذاك الجدارَ الفاصلَ بينهما.
كلّما شرعَ في الهدمِ ، وأزالَ قالباً من الحجرِ الصلدِ، واقتربَ من تحقيقِ حلم سنواتٍ طوالٍ، كلّما زادتْ هي الجدارَ علوًا ومتانةً دونّما سببٍ، حملَ فأسهُ وعادَ يجرُّ أذيالَ الخيبةِ، عندما افتقدتهُ؛ حنّتْ من جديد، هدمتْ جدارها، تسلّلتْ إليهِ وجدتهُ طريحَ الفراشِ.
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة:
بداية من العنوان (مشاعر متفاوتة) توقف أمام هذا البناء المكون من كلمتين.. مشاعر.. وهى طبيعة تختص بالإنسان وحده على ظهر الأرض أفاض بها الله عليه دون غيره من خلقه، فكرمه بهذه الخاصية ضمن نعم كثيرة أعلاها كونه “خليفة”، ومنها المشاعر الإنسانية بكل أشكالها.. لذا أردف “الكاتب” الكلمة الثانية.. متفاوتة.. وهى صفة قياسها نسبي، ولكن استطاع “الكاتب” أن يحرك داخل المتلقى الأسئلة التى تجعله يتمسك بقراءة النص، وهذا يمثل بداية التشويق.. تحسب للكاتب.
من الوهلة الأولى إلى القصة نكتشف اللغة الشاعرية في أسلوب “الكاتب” مع تمكنه لهذا الحقل الأدبي..
(على دربِ الهوى خفقَ القلبُ، ما أروعَ ذلك القلبَ المتيّمَ بتلك الحسناء! أيسلّمُ لها أمرَه؟.. ولم لا ؟!).
لغة “الكاتب” شفافة وبسيطة لها مذاق خاص.. خفق القلب.. ما أروعه أن يكون متيما بالحب.. إعلاء للقيم السامية، وما كان له أن يطرح السؤال: أيسلّم لتلك الحسناء أمره؟ وهو محب من داخله، ومؤمن بالحب عامة من قبل، وبخاصة تلك الحسناء، لنصطحب معنا ونستحضر الشق الأول من (العنوان)، وهذا يحسب “للكاتب”، ولم لا؟
وأرى أن “الكاتب” استطاع أن يبدأ القص متمكن من بناء الأساس، والذي سيبنى عليه قصه، وسرده المتفرد..
(هي ريمٌ متفرّدةٌ في كلِّ شيء، قطعةُ ثلجٍ ليسَ في برودتها فحسب، وإنّما في رونقها وشدّةِ جاذبيّها، وردةُ جوريّ، تفوحُ منها كلّ العطورِ لكلِّ العصورِ، تبادلنا ضحكاتٍ كطفلينِ، نلهو ونمرحُ ونعدو حتّى كدْنا نسبقُ ظلّنا، أفضى كلانا للآخر بمشاعرَ بريئةٍ، لمْ تكنْ أبداً في الحسبان، لكنّها حدثتْ ونمتْ وترعرعتْ وأينعتْ، ثمّ أثمرتْ حبّـاً، ما أروعَه! وما أجملَه!)
ثم يأخذنا “الكاتب” إلى المقطع الثاني، وإن جاء وصفياً، ولكن جاء بلغة شاعرية تهيمن على العقول قبل القلوب.. منتقي كلمات غارقة في الرومانسية الجميلة
(ــ ريمٌ متفردة ـ قطعة ثلج ـ شدة جاذبيتها ـ وردة جوري ـ تفوح عطور كل العصور ـ نسبق ظلنا ـ أفضى كلانا للآخر ـ نمت وترعرعت وأينعت، ثم أثمرت ـ)، ومن خلال تلك المفردات أستطاع “الكاتب” رسم لوحة فنية أسس بها لفترة زمنية، وتنامي طبيعي هادئ، وغير منفعل للوصول إلى (عقدة) النص أو بالأحرى إلى نقطة الذروة وهذا ما جاء بالمقطع الثالث..
(أبداً لم نخطّطْ للخطوةِ القادمةِ، فحبُّنا عاقلٌ لدرجةٍ لاتتصور، عشنا معاً حكاياتٍ وحكايات، نبوحُ لبعضنا ما يحدثُ لنا كلَّ يومٍ، وإنْ غابَ أحدُنا؛ نرسلُ لبعضٍ رسائلَ بها نفسُ الكلماتِ ونفسُ الشوقِ الزائدِ بلْ نفسُ الظرفِ الطارئِ الذي من خلالهِ تغيّبَ كلانا، تشابهٌ ولا أروع بيننا، حاجةٌ غريبةٌ.. أنْ يحدثَ ذاكَ التوافقُ بهذا الشكلِ وبهذه الكيفيةِ، اقتنعَ بها تماماً).
في هذا المقطع يظل “الكاتب” يرصد توافق المشاعر بينه وبين المحبوب، وتبادل هذه العاطفة بين كلاهما بأسلوبه المتميز، وبنفس اللغة المحببة بين الأحباب، والتي تعلى مكارم الأخلاق، حتى يصل إلى جملة توقفت عندها (اقتنعت بها تماماً)، فبالرغم من السرد كان يعطينا إحساس بالتوافق التام.. إلا إننا أدركنا أن حسن المعاملة مع الآخرين ليس نستطيع أن نحوره إلى الحب (العاطفي) الرومانسي الذي هيمن على (البطل) ليطل علينا السؤال فى المقطع الأول (ولم لا؟).. ويطل في هذه اللحظة علينا الشطر الثاني من (العنوان) (متفاوتة) وهي أعلى ذروة في النص (العقدة)، ومن هنا نبحث بأنفسنا عن مقدار التفاوت، وسببه، ونكمل..
(أخذَ يحدِّث نفسَه: هذهِ هي منْ أحلمُ بها، فنعمَ الحبيبةُ والصديقةُ والزوجةُ الصالحةُ، الطريقُ إلى محرابها وعرٌ كلُّه أشواكٌ، لملمَ شتاتهُ، وحملَ فأسًا؛ ليهدمَ ذاك الجدارَ الفاصلَ بينهما .).
هذا المقطع جاء به “الكاتب” بحرفية متقنة، وكأنه رسم خطاً شفيفاً بين الظلمة والنور أو الوقوف في المنطقة الرمادية، وهذا ينافي مشاعره ورومانسيته، وقياسه للمقدمات التى خاضها، غير أن إصراره يدفعه إلى هدم كل الجدران والحواجز والسدود التي تمنعه من تكملة المشوار، خاصة لكل هذه المعاملات التي كانت بينهما، فكان عليه يشحذ فأسه وسكينه للوصول إليها، وهنا يبدأ “الكاتب” إلى منحنى (حل عقدة) النص..
(كلّما شرعَ في الهدمِ، وأزالَ قالباً من الحجرِ الصلدِ، واقتربَ من تحقيقِ حلم سنواتٍ طوالٍ، كلّما زادتْ هي الجدارَ علوًا ومتانةً دونّما سببٍ، حملَ فأسهُ وعادَ يجرُّ أذيالَ الخيبةِ، عندما افتقدتهُ؛ حنّتْ من جديد، هدمتْ جدارها، تسلّلتْ إليهِ وجدتهُ طريحَ الفراشِ.).
وهذا المقطع حمل كل المتناقضات بالقصة، و وضح المشاعر المتفاوتة بالإضافة إلى المفارقة في (القفلة) تاركاً لكل متلقي استخلاص النقطة التنويرية التي يحددها بذاته، وهذه نقطة ضعف “الكاتب” التي آخذها عليه.
هذا وبالله التوفيق.