النص للكاتب كمال محمود
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
إنّ الولوج إلى عالم القص القصير جدا مغامرة في حد ذاتها نظرا لطبيعة الحكي و السرد فيه. و لذلك لا نزعم بهذه القراءة أنّنا قد أمسكنا بالمراد و المقصود من هذا النّصيص، كما لا نزعم أنّها القراءة الوحيدة أو المثلى، و إنّما هي قراءة بما توفّر لدينا من آليات تفكيك و فهم.
1/ العنوان
بدءًا بالعنوان يمكن أن نشير إلى أنّه جاء مفردة، نكرة محضا.
و “مشهد”،صرفيّا، مصدر ميمي من الفعل المجرّد “شهد”.
(شَهِدَ المجلسَ: حضرَه، ومنه ما في التنزيل العزيز: البقرة آية 185″فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”
شَهِدَ الحادثَ: عاينَهُ.. )/ جامع المعاجم
إذن،و استنادا إلى هذا المعجم، يبدو العنوان دالّا على الحضور و المعاينة و المشاهدة المباشرة… فموضوع الحديث قد وصل إلينا عن طريق قناة أساسيّة هي العين المجرّدة، و في ذلك محاولة إقناع بصدقيّة الحدث و الخبر المرويّ.
و قد تُرِك العنوان (مشهد) نكرة خاليا من الإضافة أو الوصف ابتعادا عن أيّ تقييد أو تضييق للمعاني دغدغة لفضول القارئ الذي يتشوّق إلى معرفة محتوى هذا المشهد و مضمونه. فما عسى أن يحوِيَ هذا المشهدُ؟!
2 /المتن
يأتي المتن/ الخبر مُجِيبا عن هذا السّؤال كاشفا لعناصره و مكوّناته.
المتن في مجمله من حيث البناء لم يتعدّ ثلاث جمل، كلّها فعليّة، أفعالها المسندة في صيغة الماضي:
* التهمت… ⬅ فعل حسّي/ مادّي دالّ على الموت و الفناء.
* ألهمني… ⬅ فعل ذهني/ فكري دالّ على النّشاط العقلي و الحياة.
* هلّلت… ⬅ فعل حسّي دالّ على الانشراح و الفرح..
أمّا المسند إليهم/( الفواعل) فمختلفون: فقد أسند كلّ فعل إلى فاعل مختلف عن الآخر
التهمت ⬅ النيران.
ألهمني ⬅ السّكون
هلّلت ⬅ النّسور
لكأنّ الشّخصيّة متشظّية في شخصيّات كثيرة، و لكأنّ مفهوم “الوحدة” قد أصيب في مقتل. بيدأنّ هذا ظاهريّا. فالخبر، في كلّيته و سياقه، يصبّ في خانة واحدة هي خانة “الأنا”، فهو الهدف و الغاية، سواء أ كان فاعلا أو منفعلا.
و بالنهاية يرسم النّصّ ملامح مشهد، في الواقع، مركب من بعض التّفاصيل المهمّة جدّا.
¤ المشهد الأوّل: مشهد الاحتراق و الفناء الذي حلّ بكلّ شيء( عدا جماجم و جذور متفحّمة)
¤ المشهد الثّاني: تهليل النّسور على جثّة الرّاوي.
¤ و مشهد هو عبارة عن حلقة رابطة واصلة بين المشهدين على قاعدة الفعل و ردّ الفعل، و هو المتمثّل في حدث “الإلهام بلحظة إبداع”.
المفارقة/ الدهشة
نظرة سريعة على المعجم المستخدم في النّصّ تُوقِفنا على ملامح المفارقة:
* التهمت/ جماجم/ بقايا/ متفحمة/ جثّتي:
معجم الموت و الفناء
* ألهمني / لحظة إبداع/ هلّلت: معجم الحياة
استطاع الكاتب أن يؤلّف بين هذين المعجمين المتقابلين ليرسم ملامح نص بُنِي أساسا على المفارقة و الدّهشة.
فأسلوب الاستثناء الذي اعتمده القاصّ ( إسناد حكم إلى مجموعة و إخراج عنصر أو عناصر منها) يوحي بأنّ حدث الحرق قد أبقى، منطقيّا، على بعض ملامح الحياة. غيرأنّه في الواقع يكرّس مفهوم الفناء و العدم (جماجم/ جذور متفحمة)
التهمت النيران كلّ شيء… سوى
*جماجم (الرّأس)⬅ العضو الذي يمثّل رمزا للحياة لاحتوائه على العقل آلة التّفكير. ولكنّه مجرد عضو مبتور لا وظيفة فعليّة له.
* جذور⬅ و الجذر الأصل، باعث الحياة و الوجود، غيرأنّها لم تكن إلّا هباء منثورا.
“ألهمني السّكون لحظة إبداع” المفارقة متأتّية من ناحيتين:
– إسناد فعل إلى الرّاوي. و مهما كانت طبيعة هذا الفعل فهو دالّ على الحياة في ظلّ هذا العدم و الفناء المطبق. و كأن القارئ قد بُعِثت فيه الحياة هو أيضا.
– لنا أن نتساءل: كيف يمكن لِلَحظة السّكون النّاتجة عن الفناء أن تكون دافعا للإبداع؟ و بأيّ منطق؟
أمّا المفارقة النّهاية فهي التي تحملها القفلة
“هلّلت النّسور على جثّتي”
و هي مفارقة صادمة لكونها تعيد الشّخصيّة الرّئيسيّة، بعد تحليق ظرفي، إلى الواقع و الحقيقة: واقع الفناء و الموت. فالحقيقة الوحيدة الثّابتة أنّ الحياة لا شيء، وهمٌ، سرابٌ سرعان ما يتبدّد، فحتّى الأشلاء و البقايا المتفحمة ما هي إلّا مأدبة للنّسور القمّامة.
3/ عموما
يلقي النّصّ عموما القارئ في بُؤْرَة توتّر: التهام النّيران كلّ شيء، فتتولّد جملة من الأسئلة : ما سبب هذه الحرب المدمّرة؟ و لفائدة من؟ و هل هناك مستفيد أصلا لحرب لا تبقي و لا تذر؟
فهو يثير قضيّة الحرب، هذه الآفة التي تشتعل هنا و هناك في كل آن. فإن خمدت جذوتها ألهبها البعضُ من جديد لغايات مختلفة.
جاءت لغة النّصّ في أسلوب سلس لا تعقيد فيه، بألفاظ نقيّة، موحية بعيدة عن المباشرتية.
علامات التّرقيم استخدمت بطريقة سليمة موظّفة توظيفا خادما لغايات القاصّ.