القصة للكاتب عبد الحميد الغرباوي
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
1 ــ دلالة العنوان
مقبرة / عنوان جاء كلمة مفردة، وهو من العناوين التي تمنح القارئ القدرة على اكتشاف أغوار النص، فعلامته تحتل صدارة الفضاء النصي كظاهرة فنية وجمالية. وهو الرابط الأساسي بين القارئ والنص، وقد تعددت أقوال النقاد في أهمية العنوان كعتبة لا يمكن للقارئ أن يستغني عنها قبل الولوج إلى مضمون النص. فما هو الداعي الذي حفز الكاتب إلى اختيار هذا العنوان “مقبرة” لقصته دون سواه؟ فهل عنوان “مقبرة” هو مفتاح لكثير من التأويلات التي تحرك شعور القارئ حتى يغوص في عمق النص وتفكيكه، والإسهام في فك غموضه. فالعنوان “مقبرة” هو أقرب ما يكون لقطة أو مشهدا يجسد فجيعة الموت داخل فضاء المقبرة. عنوان محفز للقارئ أن يبني عدة تخمينات وتوقعات، لأن عنوان “مقبرة ” له تأثير قوي على النفس مما يدفعه إلى التساؤل: هل السارد كان حاضرا لعملية دفن أحد من أهله أو أقربائه أو جيرانه؟ فهل يصف طقوس كيفية دفن ميت ما؟ فهل يعني ب “مقبرة” مكانا خطيرا من دخل إليه فإنه يتعرض إلى الموت؟ أسئلة تبقى بدون أجوبة حتى يلج القارئ عالم النص، إذ ذاك يعزز البعض منها، أو يعيد النظر في البعض منها.
2 ــ تحليل خطاب النص
أ ـــ قادت الخطى عاشقين على درب طويل./ بداية تشخص لقطة مثيرة لعاشقين وهما في تفاعل وحيوية، وحركة عاطفية. فالكاتب لم يفصل ولم يشرح كيف كانت خطاهما؟ هل هي سريعة أم متأنية؟ هل كانا يسيران نحو مكان معين في زمن محدد؟ ما هي العلامات التي تميزهما كعاشقين؟ بداية أضمر فيها الكاتب عدة معطيات تبقى رهينة بالتأويل والتخمين. هل تربطهما علاقة الدراسة؟ هل هما يعشقان بعضهما البعض بصدق؟ هل يفهمان معنى العشق الحقيقي أم يفهمانه بالمقلوب؟ هل يفرقان بين الحب والعشق والصداقة؟ هل هما يدخلان في الممنوع دينيا وأخلاقيا؟ هل هي علاقة عابرة أم دائمة؟ دلالات عديدة مخبأة تحت تلك الخطى التي تقودهما تحت تأثير ثورة عاطفية يجهلان عاقبتها. وهي لحظة يغيب فيها الوعي والإدراك. فالكاتب اختار تعبيرا بليغا لتجسيد المشهد كأنه ماثل أمام القارئ. وإيحاءات كثيرة متوقفة على القارئ أن يكتشف الغاية من خلال تجربته وثقافته وملامسة مغزى حدث التوجه إلى مكان ما. فالكاتب لم يقدم شخصيتهما، ولكنه اكتفى بالتلميح إلى نوع من السلوك المريب والمشكوك فيه. فالعاشقان يشخصان لقطة “خطوة بخطوة” نحو تحقيق شيء مسكوت عنه. مما يثير موقف القارئ وفضوله، فيتابع بتشويق لاكتشاف ما يحيط بالحدث من خبايا وأسرار تتعلق بالعاشقين.
ــــ على درب طويل/ جملة سردية تختزل عدة دلالات حمالة لمعاني لم تعبر عنها الجملة بشكل صريح، ولكن الكاتب جعلها تنزاح عن المعنى الحقيقي لتأخذ دلالات جديدة. فالمعنى الحقيقي لكلمة “الدرب” هو الزنقة التي توجد في مدخل بها دور، وهو ممر غالبا ما يكون ضيقا، لكنه قد يؤدي إلى مخرج. فالكاتب توسل بهذا المعنى، فزحزحه عن معناه الأصلي ليأخذ دلالة جديدة للتعبير عن مسلك في الحياة يؤدي إلى هدف مستتر وغير معروف للقارئ، مسلك قد يكون سيئا أو حسنا، وقد يكون وعرا أو سهلا، وقد يكون نهجا مبنيا على الحكمة والرزانة، وقد يكون مبنيا على التهور والانزلاق نحو الهاوية. /على درب طويل/ أهو مهلك؟ أم فيه نصر، أم فيه خيبة؟ هل يفضي إلى تحقيق الهدف، أم يفضي إلى الإخفاق؟ هل العاشقان اعتادا على نفس الخطة كمسلك لا يتغير؟ هل هو سير عابر، أم يتكرر عبر الأيام؟ علما أن القليل من الدروب لا تؤدي إلى النجاة دوما، بل غالبا ما تكون محفوفة بالمخاطر، وليس كل إنسان يسير على الدرب الصحيح.
ب ــــ طوال الطريق، كانا يتحدثان عن ربيع دائم وبنفسج لا يعرف الذبول، وعن قدرة الحب على تحويل العاشقين عصفورين أخضرين..
جملة طويلة مركبة من ثلاث جمل قصيرة ذات محمولات متعددة، فالعناصر المكونة لهذه الجملة هي بنية مترابطة في المعنى المراد توصيله للقارئ./
ـــ طوال الطريق/ جملة تحقق نوعا من الإيقاع المتناغم لتسريع الحدث بشكل حركي وحيوي/ طوال الطريق/ طريق غير محددة، وزمن مضمر، فقبل متابعة القراءة يسأل القارئ ضمنيا، وإن كان سؤاله سيكون سريعا كوسوسة تلمع كالبرق في ذهنه: ماذا سيقع؟
ـــ كانا يتحدثان عن ربيع دائم وبنفسج لا يعرف الذبول،/ جملة فعلية اعتمدت على الإخبار كتنوير للقارئ، وإزالة جزء من حيرته.، فقد عمل الكاتب على نقل حديث العشيقين الذي جرى في الماضي، فجعله كأنه يجري أمام القارئ في الحاضر، يسمعهما وهما يتحدثان، لقطة حاضرة بين عيني القارئ، إما أن تكون واقعية أو متخيلة.
ـــ عن ربيع دائم/ أي ربيع يقصد الكاتب؟ هل يعني به فصل الربيع؟ وهل فصل الربيع يدوم؟ هل يعني بكلمة “ربيع” مرحلة الفتوة والشباب؟ هل يعني به ربيع العمر؟ فهل هما قادران على جعل العمر كله ربيعا؟ فالكاتب استعار كلمة “ربيع” رامزا بها إلى الفتوة والشباب والحيوية، زمن الحماسة والمغامرة، زمن تأجيج العواطف. فكلمة “دائم” تدل على ديمومة ربيع العمر من بداية حديثهما إلى نهاية العمر، وبذلك يكون حديثهما يدخل في مفارقة، إذ أن فترة ريعان الشباب لا تدوم، ومهما طالت الحيوية، فلسعات الظروف الصعبة سوف تقف في وجه كل أماني الفتوة والطراوة.. بطلان يتقوتان بأحلام متناقضة مع عمر الإنسان، يقول الكاتب عبد الغني حوبة: “فالأعوام تمضي، والشهور تنقضي، والساعات تمر مر السحاب، فمن الطفولة إلى الشباب، ومن الكهولة إلى الشيخوخة، فتتساقط الأحلام ورقة ورقة، فهل يمكن أن نجعل العمر كله ربـــيعا؟!”(1)
فهل يمكن للعاشقين أن يجعلا عمرهما كله ربــيعا؟”. فالكاتب رمز بها إلى فترة زمنية لعمر الإنسان، وهي فترة تتميز بحيوية عالية، ونبض روح الحياة. فكل الكائنات تدب فيها حركة الحياة، وهو الوقت الذي يشهد ميلاد حياة جديدة لكل من النبات والحيوان والإنسان، وقد يتعدى الربيع التعبير المادي، فيستخدم بشكل عام كتعبير مجازي عن بداية فترة زمنية أفضل لعمر الإنسان. فما هو الجديد الذي جد في سيرة البطلين؟
ـــــ وبنفسج لا يعرف الذبول،/ استعمل السارد كلمة “البنفسج” وهو ورد لا يُعد مُجرد منظر يُلطف المكان شكلا ورائحة، بل يُشير إلى العديد من المعاني الهامّة، فله لغة خاصة، وقد اختلفت رمزيتها عبر التاريخ، والرمزية الطاغية أن ورد البنفسج يرمز إلى الهدوء والسكينة، والرومانسية الحالمة، فهو لون التوازن العاطفي والسلام الداخلي بين البطلين، كما يدل على الغرور والإسراف والتفرد، كما يُستخدم البنفسج كلون لجذب انتباه الآخرين. يقول الدكتور علاء الجوادي: “ومن الممكن أن تكون هذه الورود إشارة إلى علامات العشق، لذلك إن بدا على أي شخص علامات عشق للطرف الآخر، فمن المفضل أن يُرسل له عشرات الورود البنفسجية.”(2)
فالسارد يقصد بكلمة “بنفسج” الخيال الرومانسـي المحفز على مداعبة خلجات الروح العاطفية، والانتقال بها إلى فضاءات الهـوى والحـب، بعيداً عن هموم الدنيا، وما يعتريها من ألم وحزن ومصاعب تقتل ربيع العمر، وما يحمله من ثورة عاطفية كعلامة لقبول الآخر والرضا به.. فكأن هذا العشق الذي جمعهما له لون متفرد ومتميز،لا يختلف عن لون البنفسج الذي لا يذبل بسرعة، بل يبقى دوما في طراوته وبهجته لمدة زمنية، وهي رمزية استقاها الكاتب من الطبيعة لما تكون مخضرة ومزينة بالجمال، ونابضة بالحياة. هي حالة لا تختلف عن حالة البطلين التي تبتدئ بالفتوة والحماسة والحيوية، والقاسم المشترك بينهما الجمال، الحركة، الحيوية…. وهي إشارة مضمرة إلى استمرار عشق لا يفنى داخل فتوة تتجدد عبر الأيام والأعوام إلى نهاية العمر.
فالكاتب خلق في هذه الجملة السردية/ كانا يتحدثان عن ربيع دائم وبنفسج لا يعرف الذبول،/ تراكما دلاليا شديدا في اللغة، حيث تكتنز كل مفردة حمولات رمزية تحيل على دلالات مضمرة يقوم النص بتوجيه التأويل إليها وفق خطة بلاغية معينة لشد القارئ وتشويقه لما سيقع بعد /ربيع دائم/و/ بنفسج لا يذبل/. فهل تستمر حياة البطلين دون تغيير؟ ألا يمكن أن يتحول العشق إلى برودة طارئة؟ ألا يمكن أن يتعرض إلى ذبول؟ هل الظروف تساعدهما على بقاء هذا العشق حيا مدى حياتهما؟ هل هو عشق عابر، أم مبني على لحظة تفور بالعاطفة المتأججة؟
يقول الروائي عبد المجيد محمد خلف: ” فاللغة في القصة القصيرة جدا لها حالة متفردة، وتحتاج إلى العمل عليها من قبل الكاتب، حتى يطور من إمكاناته، وقدراته اللغوية، ويشحنها بطاقات تعبيرية عالية؛ لتصبح أسلوباً لديه، وسمة خاصة به، وطابعا مميزا تدل على صاحبها، لأن الأسلوب هو الكاتب نفسه، واللغة هي أداه الأسلوب، وسيلته في التعبير.”(3)
ــــ وعن قدرة الحب على تحويل العاشقين عصفورين أخضرين../ فهل الحب قادر على تحويل الإنسان من حالة نفسية وعاطفية إلى حالة أخرى؟ هل الحب يساعد على التحليق بعيدا عن الواقع؟ هل بإمكان الحب أن يحول العاشقين إلى عصفورين أخضرين؟
أسئلة تنم عن استفزاز الكاتب للقارئ، ودفعه إلى النبش عن المعنى المقصود عبر التخمين والتوقعات الممكنة لتنير له الدلالات الكامنة وراء اللغة المنزاحة عن المعنى الحقيقي. فرمزية تحويل العاشقين كعصفورين أخضرين، هي صورة قد تكون مغرقة في الخيال والتصور الجميل، فقد تلمح للتغير والتبدل، وخرق القيود الاجتماعية، وبناء حرية مطلقة بعيدا عن الواقع تضمن دوام العشق بينهما.
فالحيوية والحركة والاخضرار الدائم هي علامات تشير إلى التجدد عبر مراحل العمر. إن الكاتب حرص على خلق عالم رومانسي طافح بأحلام قد لا تتحقق في الواقع الممكن، ولكنها قد تتحقق في عالم متميز خاص بهما يضمن السعادة الدائمة. فلماذا اختار الكاتب اللون الأخضر؟ هل اللون الأخضر ينسجم مع ربيع العمر؟ هل هو متميز عن الألوان الأخرى؟ هل هو دليل على تجدد عمر الإنسان؟
فالهدف من توظيف الكاتب / اللون الأخضر/ اللون البنفسجي/ ليس كقضية، ولكنه توسل بالألوان لتصوير حالة البطلين وهما في عمق النشوة الحالمة، واستمرار الحب بينهما عبر محطات العمر مهما تغيرت الظروف وتبدلت. فالكاتب توسل بأشياء طبيعية ليعبر عن نفسية البطلين وما يرجهما من أحلام تكاد تلمس باليد، وترى بالعين، وتسمع بالأذن كعصفورين أخضرين يغردان، ويتغنيان بعشقهما. فكلمة عصفور ترمز إلى معنى الصوت والتغريد، يقول ابن فارس في مقاييس اللغة “إن العصفور من صفيره وصوته” فالعصفور هو طائر يغرد ويصفر، وصفيره هو صوته الذي يميزه.
اهتم الكاتب بسلوك البطلين، وحالتهما النفسية دون أن يكشف عن وضعيتهما الاجتماعية، ما هو سنهما؟ هل هما في مرحلة المراهقة؟ هل عشقهما تطور عبر مدة زمنية طويلة؟ هل عشقهما هو في بدايته؟ هل عشقهما وليد اللحظة؟ هل عشقهما يدخل في الخيانة؟.
فرمزية اخضرار العصفورين تدل على الجمال، والقدرة على التحليق بالفكر والنفس، بالحديث المستمر والصوت الشجي بينهما، وتبادل الكلمات الرقيقة. فهما لا يختلفان عن العصفورين الأخضرين اللذان يتخفيان عن الناس بلونهما الجميل. فهل وظف الكاتب اللون الأخضر إشهارا لعشقهما، أم كان للتمويه وإبعاد أنظار الناس عنهما؟ هل كانا يتخيلان أنهما في الجنة؟ هل شبههما بأهل الجنة؟ هل هناك تناص مضمر في القصة؟ فقد قال الله في كتابه العزيز في لون لباس أهل الجنة( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق) (4)
ج ــــ فجأة انتصبت أمامهما شواهد قبور من كل جانب./ فكلمة فجأة/ غيرت فكر القارئ، بعدما جعله الكاتب يسبح في التوقع المخيف لحالة البطلين، وقد يدفعه الحدث إلى تغيير نظرته لهذا البطلين، فيصاب بالغرابة والاندهاش والفضول، ويتساءل: ما هي المفاجأة التي تنتظر البطلين؟ فلما تيقن القارئ أن البطلين غادرا الواقع بالفكر والنفس والعاطفة يدخله الشك والريبة، ويحس أن البطلين دخلا في حالة متأزمة.
لقد عاش البطلان مدة زمنية على بساط فسيح لعالم مليء بالأحلام صُنع في لحظة وجيزة، فحديثهما لا يبتعد عن شوق يطفح بالرغبة السريعة بعيدا عن الأعين والمراقبة. فإن السارد لم يدخل في التفاصيل، لأن القصة القصيرة لا تحتمل الإضافات اللغوية والشرح والتفسير. لقد كانت كلمة “فجأة ” صادمة للقارئ التي تفيد “من غير توقع وانتظار.” فمن خلال توظيفها في بداية الجملة، خلق نوعا من الإدهاش للقارئ، فأدخله في عمق هذا التحول المفاجئ لمسار عشق البطلين، فكأن حياة العشق التي بنيت على أحلام مغرقة في التحليق نحو الأعلى والأرقى قد توقفت، وبطريقة فنية عبر الكاتب عن الانتكاسة المقبلة، والتي تجلت في العودة إلى الواقع بعدما انتصبت أمامهما/ شواهد قبور من كل جانب./ نهاية مفاجئة لحدث العشق، شكلها الكاتب بلغة بسيطة، لكنها بليغة وحمالة لأوجه التأويل المتعدد.
تقول الكاتبة شيماء أبجاو: “لا شك أن هذا النوع من القصص هو الأصعب على الإطلاق، لأنه يعتمد على خلق زحام دلالي شديد بين عدد قليل من الكلمات، حيث تكتنز كل مفردة حمولات رمزية تحيل على دلالات مضمرة، يقوم النص بتوجيه التأويل إليها وفق خطة بلاغية معينة، يختارها القاص حتى تؤدي القصة غاياتها المرجوة،” (5)
فانتصاب شواهد القبور أمام البطلين خلخل الوضعية، وشتت أحلام العشق المطبوعة بلون الحياة /الأخضر/. فعمل الكاتب على خلق حالة متأزمة فاصلة بين بداية السكون النفسي والشوق الفوار، وبين الاضطراب العاطفي الذي ساده الانفعال والتوتر، واختلاط الأماني بالأحزان. فالكاتب حشد مجموعة من الدلالات داخل مشهد “شواهد قبور”. فدلت على حمولة رمزية مغيبة كمفارقة بين حياة وحياة، بين المتخيل والأحلام الموسومة بالربيع والبنفسج والاخضرار. حياة عشق طالما آمن به البطلان كاعتقاد غير قابل للتبدل والتغير. مشهد قلب وضعية العشق نحو وضعية أخرى حطمت كل الأماني..
فالفعل “انتصب” خلق مشهدا قائما وثابتا يثير الدهشة ويقود إلى إعادة النظر في الحياة التي بناها العاشقان على كثبان رملية. فجملة / من كل جانب/ فيها تلميح وإشارة على توجه العاشقين نحو المقبرة كمكان للاختباء والتستر لتفريغ شحنة الرغبات الدفينة. وهو المكان المفضل لديهما، فقد لمح له الكاتب في بداية القصة بالجملة السردية التالية/ قادت الخطى عاشقين على درب طويل. بدا قصيرا./ فالدرب الذي كان العاشقان يسيران فيه بدا لهما طويلا وقابلا للاستمرار، قد تحول إلى مسلك ضيق ومسدود، فسقطت أحلامهما في الذبول والذوبان، وبدا عشقهما قصير الأيام.
د ـــ نسيا أنهما عاشقين، وطفقا يتحدثان عن الأموات وعما يكونوا قد اقترفوه من ذنوب.
ـــ نسيا أنهما عاشقين/ فهول مشاهدة شواهد القبور كانت محفزة على نسيان العشق الذي جمعهما مدة طويلة، مشاهدة قلبت اللحظة من شوق إلى حزن مفعم بالتأمل واستحضار مكانة الأموات في المقبرة، ذاب العشق وانهار ربيع العمر، وذبل البنفسج، ولم يعد لهما جناحان يحلقان بهما في أحلام السماء. أي عشق هذا؟ فالعشاق يموتون وهم على عشقهم، يبكون، وقد ينـتحرون. فهل كان عشقهما صادقا؟ هل كان عشقهما مبنيا على لحظات عابرة؟ هل كان عشقهما يكمن في تبديد الرغبة وإطفاء ثورة العاطفة الفوارة؟ هل هو إحساس بالذنب والسقوط في زلة الرذيلة؟ هل هو الرجوع إلى الرشد والتأمل؟ إشكالية سقط فيها البطلان، فأصبحا يعيشان لحظة الخوف والقلق. فوقعا “بين بين” بين الاستمرار في هذا العشق المريب، أو التوقف بدعوى أن الشيطان أسقطهما في جب الغواية، وزين لهما تذوق اللذة تحت ذريعة عشق لا يفنى.
ـــ وطفقا يتحدثان عن الأموات؟ فبعدما كانا يتحدثان عن العشق وما يحيط به من شهوة مصطادة، وإثارة فاسدة، ورغبة دفينة، طفقا يتحدثان عن الأموات، أي شرعا واستمرا في النظر لحالة الأموات، وما كانوا عليه في الحياة الدنيا، إنها لحظة التأمل واستحضار الموت، وما يتبعها من محاسبة وعقاب. إنها عودة إلى الوعي، والدخول في واقع حقيقة فناء كل شيء، من إنسان وحيوان وعصافير وطيور ونبات. مشهد مضمر غاب عن ذهنهما. يقول الله تعالى في محكم تنزيله( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (6)
فالكاتب لم يفصل الحديث الذي دار بينهما، فمضمون الحديث يبقى متوقفا على توقع القارئ وتخميناته. ماذا فعل هؤلاء الأموات في حياتهم؟ ماذا فعلوا من حسنات؟ هل سقطوا في الذنب كما سقط البطلان؟ هل هم في النار أم في الجنة؟ هل تابوا قبل موتهم؟ هل ذنوبهم شبيهة بذنبهما؟
3 ــ نهاية القصة بين بناء الأحلام والانهيار
نهاية مؤلمة وصادمة، فرغم وضوحها في الإعلان عن سقوط العشق، تبقى النهاية مضمرة، متوقفة على قدرة القارئ “النشيط” و”الفائق” كما سماه الناقد الغامدي ليجعلها مفتوحة بما يملك من قدرة وطاقة على التخمين والتأويل. هل يتوقف البطلان على الاستمرار في هذا العشق الممسوخ؟ هل يتوبان؟ هل يتزوجان؟ هل يتم الانفصال بينهما نهائيا أم مؤقتا؟ …
فالنهاية مختزلة تكاد أن تكون محصورة في الذنوب المشتركة بين العاشقين والأموات،
وللتخفيف من توتر البطلين، عمما ذنبهما على كل الأموات، فبدل أن يتهما أنفسهما، اتهموا الأموات بدون دليل. ألا يمكن أن يعتبر القارئ أن عشق البطلين يدخل ضمن اعتراف ضمني بالذنب واقتراف الإثم؟ ألا يمكن أن يكون عشقهما يدخل في المحظور والممنوع دينيا وأخلاقيا؟
4 ــ قصة داخل قصة
لقد أشار الكاتب في بداية القصة إلى عاشقين تبقى هويتهما مجهولة، بقيا مغمورين طيلة تطور الحدث، فالكاتب أضمر كل التفاصيل المتعلقة بهما كما قلت سابقا، فاهتم بالبطلين وفاعليتهما في تشخيص مسار يكشف حقيقتهما من خلال سلوكهما وتصرفاتهما، وقدرتهما على التفاعل مع حياة العشق تارة كواقع، وتارة كخيال. فنهاية هذا العشق تبقى مضمرة، لكنها مفتوحة على عدة تخمينات وتوقعات، بعدما ترك الكاتب مشاهدة “شواهد القبور” كمفاجأة للقارئ في نهاية القصة، كلقطة سينمائية تُظهر مكان وجود البطلين في مقبرة ما، تحيط بهما شواهد القبور من كل جانب. فمرحلة التحدث عن العشق كاستعداد نفسي وفكري وإيقاظ العاطفة، والإحساس بشعور تفيض منه المتعة والانتشاء السريع قد انهارت. ألا يمكن أن يعتبر القارئ أن هذا المقطع يشكل قصة مكتملة البناء كومضة، عندما تتوقف عند نهاية مفتوحة في مشاهدة “شواهد القبور”.
.
5 ــ بداية قصة أخرى
انتقل الكاتب إلى تشخيص مرحلة التأمل والتفكير، وطفا شعور الإحساس بالخوف والقلق والتوتر لما لمسا بعينيهما حالة شواهد القبور التي كانت مغيبة لديهما أثناء الحديث عن عشقهما في المقطع الأول من القصة.
فوجود البطلين داخل المقبرة هي بداية قصة أخرى، بعد ما تدخل مؤثر خارجي على مسار الحديث عن العشق، والذي بدا مقبورا في النفس والحواس، فتحول من حرارة وحيوية إلى برودة وفتور، بل إلى اندثار وفناء. وهنا بدأت قصة أخرى ترتكز على العودة إلى الرشد وبداية الحديث عن الأموات وما اقترفوه من ذنوب في حياتهم. فذنوبهم قد تكون مشابهة لذنبهما المقترف طوال درب التهور الذي مشيا فيه منذ زمن طويل. فكانت النهاية تتضمن تحولا على المستوى الفكري والديني وحضور الوازع الأخلاقي، والمحاسبة بعد الموت. فمن خلال هذا المنطلق التأويلي، نجد شخصية كل من البطلين تدخل ضمن الشخصيات المسطحة والثابتة، فلم تعد فاعلة وحركية كما كانت في السابق. فاقتصرت حركتهما على التأمل وإعادة النظر في المسلك، فالكاتب سكت عن نتيجة مشاهدتهما لشواهد القبور كنهاية مقنعة للقارئ ليتساءل من جديد؟ هل توقفا عن ارتكاب الزلة؟ هل عادا من حيث أتيا؟ هل يتم الإقلاع نهائيا عن ارتكاب عشق المتعة في شكلها القديم؟ هل تتكرر المتعة العابرة في مكان آخر؟ هل يحولان عشقهما إلى زواج شرعي؟ هل أخذا العبرة من مشهد المقبرة؟…. أسئلة تبقى داخل نهاية مفتوحة. تقول الباحثة عبير حامد محمد العويضي:” إن القصة مرآة، متعددة السطوح، و كل قارئ يلقي بناظريه على السطح الذي يعكس صورته، بأمانة ودقة، أو لعلها كالبناء الضخم، ذي الكوى العديدة، ولكل قارئ أن يطل من الكوة التي يختارها له ذوقه ومزاجه وطبيعته”.(7)
6- بناء وتركيب
قصة “مقبرة ” للكاتب عبد الحميد الغرباوي تتميز بقدرته على الحفاظ على مقومات القصة القصيرة جدا، عمل على اقتناص فكرة قلما ينتبه إليها جميع الناس، فعالجها بشكل مغاير ومن زاوية فنية مشوقة، ورؤية جديدة اخترقت المألوف، واقتحام خبايا المجتمع وقضايا الناس الخفية، فهو لم يبتعد عن الواقع، ولم يجنح إلى الخيال المغرق في الغموض، ولم يفسر أو يشرح، وإنما عمل على توصيل الفكرة بلغة بسيطة وشفافة ناقلة للحدث. وفي نفس الوقت، عمل على بناء الحدث ولعناصره بلغة موحية ومعبرة توحي إلى دلالات خفية، مشحونة بطاقات تعبيرية عالية قد يدركها القارئ، دون أن يورطه في تكثيف ممل، ومتعب وصعب التأويل. يقول أحد النقاد في مقال منشور في جريدة شموس نيوز: “ومشكلة النماذج الجديدة أنها تغزل كثيرًا على التكثيف حد الوقوع في إشكالية اللعب، وتجاوز القص إلى الافتعال. يأتي هذا من باب ابتداع الإيجاز كغاية لا كوسيلة”(8)
فالكاتب انتقل بالقارئ من حالة البطلين النفسية والعاطفية التي تنبني على عشق قد يكون صادقا من خلال تكثيف علامات العشق في محمولات لغوية موحية ورامزة. بداية مشوقة للقارئ تحفزه على متابعة قراءة النص ما دام العشق يبدو حقيقيا. ولكن الكاتب وظف خدعته الفنية والأدبية على تخطيط مسبق للإيقاع بالقارئ، ليجعله منشغلا بمسار تحولات الحدث نحو مسار آخر مفاجئ للقارئ، ليدرك في النهاية أن عشق البطلين كان مبنيا على أسس غير صحيحة وسليمة.
فبداية القصة ترتكز على أحلام عشق لا يفنى، ولا يتبدل أو بتغير. فغرق البطلان في التخيل، والتطلع إلى ما فوق النجوم عن طريق المحادثة المبنية على المتعة والانتشاء الفوري. فلقد أشار الكاتب إلى المحادثة التي دارت بينهما بمفردات تحمل طاقة تعبيرية مفتوحة على دلالات رامزة وموحية لمعاني كثيرة،/الربيع/ اللون البنفسجي/ ا لعصفوران/ الاخضرار/ وكلها تصب في دلالة عشق نقي، ينمو داخل حياة سعيدة، فانساقا وراء أحلام بعيدة عن الواقع/ دوام العشق/ عدم ذبوله واندثاره/التجدد المستمر/ لضمان خلود العشق مهما تغيرت الظروف، وبناء عالم بديل متخيل، لكن حالتهما تأزمت بانهيار عشقهما عند مشاهدة شواهد القبور. حالة تدفع القارئ أن يتخيل وأن يتصور المشهد بعدها يدخل مع الكاتب في جدلية التساؤل: هل هو عشق حقيقي، أم هو عشق عابر؟ هل هو عشق له مصداقية؟ هل يبقى صامدا في وجه صروف الزمن؟ هل هو عشق مبني على المتعة العابرة؟ أسئلة تبقى بدون جواب، سواء اتفق الكاتب مع القارئ أو عارضه.
تقول الكاتبة شيماء أبجاو: وتكون مهمة القارئ هي فـتح المجال أمام القصة لتفصح عن مكنوناتها الداخلية وتعبر عن وجهة نظرها تجاه الواقع الذي أنتجت داخله. بمعنى أن القصة القصيرة جدا بما أنها تتأسس على مبدأ الحذف والتكثيف والإضمار، يجب أن تخضع لقراءة مختلفة تنتقل من تحليل ما يقوله النص إلى تحليل ما لا يقوله النص وفق تعبير علي حرب، (9)
ختاما
فالكاتب تجنب الكلام الفاضح، وعدم السقوط فيما يعارض الحياء، فعمد إلى الترفع عن ما يسمى بالطابوهات الفاضحة. فلمح، وأشار بفنية أدبية عن زلة محظورة، وسلوك مشين سوف يجري فوق رؤوس الأموات، وبين أجسادهم الممدة. هي زلة كانت ستقع، تتكرر وفق زمن معين، ومكان محدد. فتحولت إلى أزمة فكرية ونفسية وأخلاقية. فهل “حدث العشق هذا” سوف يتكرر في مكان آخر وفي زمن غير محدد، وهي نهاية بقيت مضمرة. يقول الدكتور جميل الحمداوي” نعني بالنهاية المضمرة تلك القصة القصيرة جدا التي تنتهي بنقط الحذف والإضمار، تفاديا لذكر الطابوهات والمحرمات والكلام الفاضح”(10)
المراجع
1 ـــ عبد الغني حوبة/مقالات / شبكة الألوكة تاريخ الإضافة/08/11/2018
2 ــــ الدكتور علاء الجوادي، ملاحظات في فلسفة االلوان واستعمالاتها، صفحة 15-16. بتصرّف.
3 ـــ عبد المجيد محمد خلف/ لغة القصة القصيرة جدا وخصوصيتها/روائي كردي من سوريا /فى: فبراير 18, 2018
4 ــــ سورة الإنسان/ آية ــ21
5 ــــ شيماء أبجاو/ المفارقة السردية وتعدد المسالك التأويلية في القصة القصيرة جداً/ سبتمبر 20, 2017 خاص- ثقافات
6 ــــ سورة الرحمان/ آية:26/27
7 ــــ عبير حامد محمد العويضي/البطل في القصة القصيرة دراسة مقدمة لنيل درجة الماجستير في “الأدب والبالغة والنقد.”
8 ـــ مقالات/جماليات فن القصة القصيرة، ولحظة اقتناص الموضوع، والتكثيف كقدرة وإجادة في التجويد الكتابي/ جريدة شموس نيوز
9 شيماء أبجاو/ المفارقة السردية وتعدد المسالك التأويلية في القصة القصيرة جداً.. صحيفة المثقف – قراءات نقدية أدب ومسرح / علي حرب، نقد النص، المركز الثقافي العربي، ط.4، 2005،
10 ــــ الدكتور جميل حمداوي ـــ صحيفة المثقف – قراءات نقدية/ المعمار النصي في مجموعة (أقواس) للمبدعة المغربية سمية البوغافرية
بتاريخ :6/ دجنبر/ 2020