النص للكاتب أكثم جهاد
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
لم تبح الومضة، هذا الجنس الأدبي المتخلق، بعدُ، بكل إمكاناتها الاختراقية والترافعية التي تجعل منها جنسا أدبيا سرديا مستقلا وبمقومات معمارية وفنية خاصة ومميزة تساعد بيسر في تمييزها من بين أجناس أدبية سردية تشاركها السردية والتكثيف، نحيل بهذا على الشذرة والمتلازمة والقصة القصيرة جدا.
فالومضة، في يد وامض متمرس مثل المبدع أكثم جهاد، تصبح قادرة على اجتراح أسئلة الواقع والفكر، والخوض في قضايا بأبعاد فلسفية ووجودية.
مواراة فيها ما فيها من المداهنة والطمر، والاختفاء والدفن، ما يخبرك منذ البداية محذرا، أن وراء السطر ما وراءه، وأنك ستضيع اللب متى توقفت عند السطح! وأنك أبدا، أثناء قراءتك لها، لن تضع نقطة النهاية، لأن النهاية تصبح بداية في دائرية تشبه دائرية مسار الحياة بين سرين: سر الولادة وسر الموت، ذاك القلق الوجودي الذي يحرك الإنسان ويمنحه إنسانيته ويحول حياته من مجرد عيش إلى معنى وموضوع للتأمل والبحث عن الاكتمال.
وهذا شأن كل الكبار الذين بصموا تاريخ الإنسانية، وهو ايضا شأن كل الحالمين الذين يشيدون عوالم النقاء بكشفهم للزيف وإظهارهم للحقيقة حتى وإن كلفهم ذلك تعثرهم بالكفن وموتهم.
الحقيقة ظلال العقل، والعقل خداع كما يقول الأشاعرة، ولا يمكن الركون إلى مخرجاته الزائعة التي تتبع الوهم والهوى، رادين بذلك على مناهضيهم المعتزلة في ما يعرف بثنائية الجبر والاختيار والنقل والعقل.
إن الوامض أ أكثم جهاد، باستحضاره الواعي لهذا الإرث الفكري الفلسفي والكلامي، قد فتح آفاقا جديدة للومضة لتصبح، هي التي طالما اعتبرت سطعا وامضا يلتقط الشارد والهارب والمنفلت، لتصبح تأملا في الذات والفكر، ومحاورة للعمق وللوجود الإنساني… وقد جاءت هذه الصيرورة مدعومة بوظيفية عالية للكلمة، تجلت من خلال توظيف كلمات مفاتيح بحمولة إيحائية وإحالية عالية : توظيف كلمة (أثر) وكلمة (تعثر). حيث أطرت كلمة ( أثر) فهمنا وقادته نحو نقاش نسبية الحقيقة، وكأن تتبع أثر الحقيقة هو تتبع لمواقع النجوم، وأن المتتبع لها قد يقضي قبل أن يصل إليها، وقد يفني عمرا قبل أن يتعثر بالكفن/الموت، وتموت الحقيقة دون أن تدرك وتطمس دون ان تعرف.
إن الحقيقة وتتبعها، خفاءها وتجليها هي، خلاصة حياة ووجود، بحث يستمر منذ الظهور إلى التواري. موضوع يصب في عمق الحقيقة الإنسانية. ويكشف إمكانية الومضة في تناول العميق والممتد.
هنيئا للمبدع أكثم جهاد على هذا العطاء الأنيق.