النص للكاتبة مرح صالح

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان
مِحبس: اسم آلة من حبَسَ…
خاتم خطبة أو زواج؛ حلقة من ذهب أو فضة…
المِحْبَس : مَكَانُ الْحَبْسِ، السِّجْنُ
(جامع المعاجم)
هذا ما يخبر به المعجم. فإذا استأنسنا به و اعتمدناه منطلقا فيمكن أن نقول في العتبة ما يلي:
مِحبس، مفردة نكرة محض، حمّالة لمعانٍ عديدة، لعلّ من أبرزها ما ينفتح على حقلين دلاليين مختلفين، أحدهما يتّصل بالفرح و السّعادة و البهجة… إلخ، و هو المتعلّق بالمحبس باعتباره خاتم خطبة أو زواج.
و أمّا الثّاني فيتّصل بمعان التّكبيل و السّجن و العزلة… إلخ، و هو ما يتعلّق بالمحبس باعتباره مكان الحبس أو آلته.
و من هذين الحقليْن الدّلاليين ستنبثق معاني هذا النّصّ القصير جدّا.
و بذلك يكون العنوان وظيفيّا، أحسنت الكاتبة اختيار اللّفظ المناسب دغدغةً لفكر القارئ و تحفيزًا لمَلَكة التّخمين عنده.

المتن.
الخبر مضغوط بشكل كبير، حيث لم تتعدَّ جمله ثلاث جمل.
بدأت اثنتان منهما بظرف يحدّد الزّمان( منذ بلوغي…)، و المكان ( بين أصابعي…)
و تتشابك العلائق بين الزمان و المكان لرسم ملامح خبر فيه من الإدهاش و المباغتة الشّيء الكثير.
أوّلا لابد من تحديد مفهوم أراه رئيسيّا انبنت عليه القصّة في علاقة له بالحدث “بلوغي”
فالبلوغ مصدر من الحدث “بلغ”، و”يعرف سن البلوغ (بالإنجليزية: Puberty) على أنَّه العمر الذي يتطور فيه الأطفال جسدياً وعاطفياً، إذ ينتقلون من الطفولة إلى مرحلة الشباب، وتحدث في هذه المرحلة مجموعة متسلسلة من الأمور التي تؤدي بدورها إلى حدوث تغيرات جسدية، والتي تؤدي في نهاية الأمر إلى ظهور الخصائص الجسدية الخاصة بالبالغين والقدرة على التكاثر”( موقع موضوع/ التعامل مع المراهقين: موقع إلكتروني).
اللّافت في الجملة الأولى:
* العلاقة الزّمنيّة بين الحدثين: بلوغي/ أورثوني. هذه العلاقة حدّد ملامحها الظّرف(منذ). فهو يرسم علاقة تتابع زمنيّ تتقلّص فيها الأسبقيّة و اللّاحقية إلى حدّ الانتفاء، فالحدثان متزامنان. إذن لا فاصل زمنيّ بين الفعل و ردّة الفعل. و إن دلّ هذا على شيء فهو يدلّ على التّسرّع و عدم التعقّل. و هي سمة ترتبط ب” هم”، أي “الآخر”.
* “أورثوني…” فعل متعدٍّ، غادر “التّجريد” إلى “الزّيادة” بحرف، على وزن “أَفْعَلَ”. و معلوم أنّ لهذا الوزن عدّة معان. من بينها الدّلالة على “الجعليّة”، بمعنى أنّ”هم”، هم الذين جعلوه يرث ملبسهم، على خلاف المعنى لو استُعمِل الفعل”ورث” المجرّد الدّال على قيام الفاعل بالفعل بنفسه. و لهذا استتباع دلاليّ و لاشكّ. فال”أنا” تنتقل من الفاعليّة إلى المغعوليّة. لم يعد لها المبادرة بالفعل، غير متحكمّة في سير الأحداث، بل تُدفَع إليها دفعا كما تُدفَعُ الأنعام… لا تمييز، لا اختيار، لا تخطيط، لا رغبة…
المفارقة تبدأ من هنا، فالبلوغ مرحلة اكتمال بناء الجسم و العقل، فصار بالإمكان الاختيار و التّمييز و التّخطيط… لكن هذا فعليّا مجرّد وهم فنّده الواقع الضّاغط على الشّخصيّة الفرديّة(أنا). “الأنا” خرجت من سلطة الطّفولة( بكلّ مقتضياتها و متطلّباتها الطّبيعيّة) إلى سلطة أشنع، سلطة الآخر الثّقافيّة بالمفهوم العامّ للثّقافة. و كأنّنا في النّهاية أمام مقولة جون بول سارتر الفلسفيّة” الآخرون هم الجحيم”.
فالأنا دُفِعت أو أُجبِرت على استلام إرث معيّن( ملبسهم).
* “ملبسهم”. مركّب إضافيّ، إضافة دالّة على الملكيّة و التّملّك. لفظ يخرج عن الاستعمال العاديّ إلى آخر انزياحيّ مضمّن. فهو لا يشير إلى اللّباس بما هو معطى مادّيّ، و هو المستبعد، بقدر ما يستوعب كلّ أشكال الإرث المعنويّ و لاسيما الميراث الفكريّ بما فيه من عاداتٍ و تقاليدَ و سلوكاتٍ و أعرافٍ… و لعلّ هذا من أخطر أنواع الميراث لخصوصيّة العلاقة بين الحاضر و الماضي، و لفوارق حضاريّة هي من سنّة التّطوّر و التّجدّد بعيدا عن التكلّس و التّحجّر.
ال”هم” يريدون من “الأنا” أن يكون نسخة طبقا للأصل، فيُفرِغُون عليه كلّ تمظهراتهم الحضاريّة (المادّيّة و الفكريّة).
و بالتّوازي مع هذا الفعل الحضاريّ الذي يبدو منطقيّا، في الظّاهر (التّوريث)، يطالعنا سلوك ال”هم” الصّادم و غير المنطقيّ ( إخفاء الملامح البريئة).
و هنا نعود إلى الفترة الزّمنيّة، و هي الفترة القريبة جدّا من عهد الطّفولة. فالجماعة تبدو كما ذكرنا سابقا متسرّعة، لا بل متلهّفة للقضاء على أيّة خصوصيّة(حضاريّة) يمكن أن تميز “الوارث” عن “المُوَرّث”(اسم فاعل). لكأنّها تخشى على خصوصيّتها، و هويّتها، بل وجودها عموما. ففي انفصال المُوَرَّث (اسم مفعول)”أنا” و بتميّزه بخصائص مختلفة قضاءٌ، و لو رمزيّا، على ال”هم.
ممّا لا شكّ فيه أنّ العلاقة، انطلاقا من المعجم المستخدم (أخفوا / الإجبار)، قائمة على التّصادم و القطيعة، رغم ما يوحي به ظاهريّا فعل التّوريث.

جملة الختام.
( بينَ أصابعي وضعوا حلقةً… أَفلتَتْ حبلَ أَرْجوحتي.)
جملة قائمة على الانزياح الدّلالي، معناها في ما توحي به من مضامين، و إلّا فما العلاقة المنطقيّة بين “الحلقة” و “الأرجوحة”؟!
توسّطت الجملةَ نقاطُ الحذفِ الثلاث(…)، و قد جاءت بعد كلمة “حلقة” مباشرة بما يوحي أنّ الكاتبة قد تركت المجال واسعا لتصوّر خصوصيّة تلك الحلقة و طبيعتها قبل أن تصدم المتلقّيَ بأثرها في الشّخصيّة الفرديّة”أنا”( أفلتت حبل أرجوحتي).
إذن هي ” محبس” يتّصل بمعاني الحبس و السّجن و التّكبيل… أي بالحقل الدّلالي الثّاني الذي سبقت الإشارة إليه في قراءة العنوان. فما إفلات حبل الأرجوحة إلا إيحاء بالقطع مع البراءة و السٍّقوط و انكسار الشّخصيّة معنويّا طبعا. و هي الدّلالة التي توحي بها جملة الختام.
المحبس لم يكن إيذانا بمراسم الفرح بقدر ما كان إعلانا عن بداية النّهاية و السّجن داخل هويّة الآخر.

اللّغة
سليمة، سهلة لا تعقيد فيها رغم تقديم الظروف عن مواقعها الأصليّة لدلالات أقوى ارتأتها الكاتبة أقوى بهذا الأسلوب.

ختاما
النّصّ يعالج إشكاليّات اجتماعيّة فكريّة فلسفيّة… حضاريّة عموما( إشكاليّة الهويّة/ العلاقة بين الأنا و الآخر/ العلاقة بين الأجيال…)، و بأسلوب قصصيّ جذّاب بعيدا عن الإخبار المباشر الفجّ بما يحقّق التّأويل و الاجتهاد في البحث و التّخمين.

في الأخير نتمنى للأخت م.مرح صالح مزيدا من الإبداع
—–ا—
تبقى هذه القراءة ذاتية لا تلغي قراءات أخرى طبعا.