للكاتبة مرح صالح
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
مقدمة خارجية:
« ينظر الإنسان الناضج، أو بالأحرى من أنضجته التجارب إلى مجريات الحياة كما هي على أرض الواقع وكما هي على طبيعتها. أما المراهق فيحولها تحت تأثير الوهم المعجون في أحلام المنام وأحلام اليقظة إلى متوالية من الأحكام الجاهزة والنزوات العجيبة التي تحجب عنه الوجه المشبوه والحقيقي لهذا العالم والوجه الآخر لهذه الحياة.
وبالتالي فإن التحرر من الأوهام والتهيؤات والمفاهيم الخاطئة المكتسبة في سنوات الشباب هو أول درس يتوجب على الإنسان استخلاصه من تجارب حياته. وهذه هي أفضل وأجود تربية على الإطلاق يمكن تلقينها للشباب حتى يعيشوا حياتهم بأقل الخسائر الممكنة حتى ولو بدت تربية سالبة أكثر مما هي موجبة، غير أنها مهمة جادة وليست بالهينة»(1).
تمهيد:
إن غريزة الانسان الأولية ودوافعه الكثيرة وشغفه التي يسعى من خلالها إلى تحرير ذاته في أرض الواقع واطلاق العنان لنفسه في تأمين حاجاته ورغباته عبر وسائل شتى مخصصة أو عامة، تترافق كلها مع مطبات ومنعطفات تخالف وتقع عائقاً في طريق سلوكياته وانطباعاته وتطلعاته إلى ما يحبو إليه، إن عملية التصور الظاهري المدروك تغلب مسألة التفكير بالأشياء التي تأخذ العقل إلى مرحلة متعبة ومجهدة، وما على الانسان سوى امتصاص أكبر قدر من المجهود بالاختيار الأقل تأثيراً باختلاف نتائجه أكانت ذات طابع سيء أو جيد…!.
بنية النص:
*محاولة استقراء النص سأبنيها من خلال وضع مقاربة ما بين نظريات ومبادئ شوبنهار التشاؤمية وبين نص نضوج للكاتبة مرح.
-استهلال النص بدأ بتشاؤم واضح عند”كلما انتصر أرنبهم”بغض النظر عن المدلول الضمني الرمزي للأرنب، نجد تعبيراً مؤلماً لبطلة النص تصف بها ما يحصل لها أثناء خوضها السباقات والتي عادةً ما تفشل باعتبار كلمة”كلما”المفتاحية تشير لاستمرارية الفشل التتابعي، والأرنب ليس هنا حالة رمزية ايحائية بقدر ما هو تضمين مشهدي لسردية النص وصياغته، هنا العقل لا يتقبل الهزيمة من أول مرة حيث أنه يرمي نفسه مجدداً في دائرة التجارب والمحاولات.
-في طريقها لاستمرارية الفعل التي تحبو إليه على الرغم من تعرضها لخسارات وانكسارات”قضمت جزرة خسارتي”هي تعبير مجازي على أن الفاشلين المهزومين يدفعون بغضبهم بالأكل واشباع ذاتهم الجائعة للفوز، فهي وسيلة لكبح جماح الاستياء والتوتر، ومحاولة للزود والنسيان عما تعرضت له من يأس وحزن، أثقل كاهلها وأضعف ذهنها عبر تشويش ممنهج.
“سلطة العقل على الإرادة لا يبقى لها أي وجود، بل يصبح العقل خادما يقوده سيده، وبالتالي فالإرادة هي الرجل الأعمى القوي الذي يحمل العقل على كتفيه باعتباره رجلا أعرجا ومبصرا، فنحن لا نريد شيئا لأننا وجدنا أسبابا له، ولكن نجد أسبابا له لأننا نريده، أو كما يقول الفيلسوف الهولندي دو الأصول البرتغالية، باروخ إسبينوزا “لا نرغب في الأشياء لأنها طيبة، بل نعتبرها طيبة لأننا نرغب فيها.”(2).
-“توالت السباقات”حين خرجت البطلة من دائرة الاحتمالات المتمثلة بتعداد التجارب واليأس من الفوز بأي معركة تجابهها، تتجه لمعرفة ما تعلمته من كل مواجهاتها في مراحلها الروتينية السابقة، لتتنقل إلى مرحلة جديدة أشد وعياً وإدراكاً بالبيئة المحيطة، وأن الإرادة التي أفرزتها الطاقة لم تجدِ نفعاً مع متغيرات الزمان والمكان، بل بقيت متقوقعة داخلها، تنتظر الشرنقة أن تفتح جسدها لتتحرر الفراشة، ولكن هذا لم يحدث في ظل كل ما جرى، ولكن ما حدث”اشتد نظري”هو إيجاد ثغرة لشق هذه الشرنقة والخروج، وهذا اعتمد على تقليل الوقت بتكبير الرؤية للواقع المحيط.
“إن هذا الصراع الكوني ذاته إنما هو فحسب تجل لتنازع الإرادة مع ذاتها الذي يعد جوهريا بالنسبة لها. وهذا الصراع يشاهد على أوضح نحو في المملكة الحيوانية، وهكذا فإرادة الحياة تفترس ذاتها بوجه عام، وهي بشكل عام تتغدى على نفسها، فالكائن الحي يسعى إليها عن طريق الصراع عليها، إن الحيوانات تتخذ المملكة النباتية مصدرا لغذائها”(3).
وحتى تنال درجة التكيف مع البيئة بحاجة ماسة لوسيلة توصلها إلى إشباع رغباتها.
“ومن هنا ينكشف لنا أن كل هذه الأفعال هي أفعال غريزية، وليست نتيجة لمنطق أو تفكير، فهي ليست تعبيراً للعقل، بل هي تعبر عن إرادة بلوغ حد أعلى من الحياة، التأمل ببصرنا موضوعياً في الطبيعة بجميع درجاتها”(4).
استخدام الكاتبة الأرنب والجزر المعروف ببعد النظر وصحته، هي حركة ذكية واجتهاد في إسقاطها على الموضوع المراد إيصاله، بالرغم من صحة العبارة، ولكن معناها يفوق ما توحي إليه ضمنياً، لتأخذ أبعاداً منطقية وفلسفية أعلى ما يمكننا التوصل إليه عندما نبحث عن المعنى الأساسي، فالجوهر هنا هو الوصول إلى درجة المعرفة المطلقة منطقياً، وهذه هي إرادة الحياة في محاولة الكائنات للعيش رغم مغامراتها الكثيرة.
-“أدركت مكان التوقيع”قد تكون مخطئاً في البداية وقد تتأخر كثيراً في فهم طبيعة الحياة والمجتمع وما يسير به من معاملات واشغلات لها تأثير على نزوات الفرد في معيشته وتحسين مستواه، الخبرة المكتسبة من التجارب الكثيرة التي تواجه الفرد ويتعرض لها، قد تصبح ذات مناعة تقي الفرد من هجوم جديد، لا بل يصبح له رد فعل أسرع تجاه الأشياء، نظرياً لما يراه، فالنضوج الحقيقي للفرد يتعلق بما يراه أكثر بما يفكر به، باختلاف تأثيراته أكانت تشاؤمية أو تفاؤلية، إيجابية أو سلبية.
“عن طريق التأمل والعبقرية تتناسى الإرادة، عند العبقري يتغلب العقل على الارادة تغلباً ظاهراً، ولما كانت الارادة شراً، فمعنى ذلك أن شخصية العبقرية لها طابع أخلاقي، بمعنى أن العبقرية هي القدرة على الرؤية الجمالية او الميتافيزيقية، التي يستبعد المرء كل اهتماماته ورغباته، ليصبح ذاتاً عارفة خالصة، أو رؤية موضوعية للعالم من خلال إدراك المثل، وبهذا يصبح العبقري مرآة واضحة للماهية الباطنية في العالم وهي إرادة الحياة”(5).
خاتمة:
هذا النص الفلسفي الوجداني يقودنا إلى الحدس والرؤية بطابع صوفي، من خلال الاستمرارية في المحاولة، لإنتاج الهدف المنشود، فالتفكير أحياناً ليس بالضرورة عقلانية أو ذهنية.
النص مترابط ومتماسك ومفرداته موظفة بشكل مناسب ما يجعلنا نفكر بالكاتبة بالذات، فصياغة هكذا نص يحتاج فكراً ناضجاً وعقلية صافية تستطيع الالمام بالنظريات والمبادئ التي يسير عليها المجتمع دون دراية، وهذا ما وجدناه لدى الكاتبة من انفتاح وادراك ومعرفة ثقافية هائلة.
مراجع ومصادر:
1: كتاب فن العيش الحكيم، آرثر شوبنهار.
2:آرثر شوبنهار، نقد الفسلفة الكانطية، تعريب:حميد لشهب، جداول للنشر والترجمة.
3:أرثر شوبنهار، العالم كإرادة وتمثلا ص ٢٦١.
4:أمل مبروك، الفلسفة الحديثة
5:شوبنهار وفسلفة التشاؤم، وفيق غريزي.