للكاتب سعدون البيضاني
نص القصة
اختزال
إنتهى من كتابة قصته الأخيرة ، في اليوم التالي أعاد قراءتها ، صحح الأخطاء اللغوية والنحوية للصفحة الأولى ثم أضاف وحذف ، انتقل إلى الصفحة الثانية فالثالثة ، قرأ قصته للمرة الأخيرة بعد الحذف والإضافة ، رفع رأسه إلى الأعلى وحدّق بسقف الغرفة ، استرخى على مقعده ، أشعل سيجارة وسحب نفسا ً قويا ً، نفث الدخان على المنضدة ، تناول القصة ومزقها بعصبية ثم أخذ قصاصة منها وكتب على ظهرها ” باختصار أهم ما يعجبني بنفسي أنني أكرر محاولات انتحاري بين فترة وأخرى.”.

نص القصة على موقع مجلة قصيرة من هنا


القراءة النقدية

شعرية العنوان كعتبة أولى : نحويا جاء مفرد غير مضاف ويعد خبرا لمبتداء محذوف تقديره هذا الاختزال، وكأنه محطة أولى علينا أن نقف عندها لمعرفة سرها وعلاقتها بالمتن السردي وما هي البنى السردية التي يؤسسها العنوان كعلامة سيميائية دالة عن المتتاليات السردية. أختزال لها الكثير من المعاني في مجالات الحياة المختلفة ولربما العامل المشترك بين هذه وتلك هو معنى الاقتضاب، اختصارا للوقت والجهد في تناول المواضيع التي نمارسها، والذي يثيرنا في هذا العنوان هو لماذا جاء بهذه الصيغة؟ وعن أي أختزال يتحدث أو يشير ؟هل يقصد القاص مفهوما فلسفيا معينا، وطريقة عيش لها خصوصيتها؟ وكيف تكون هذه الخصوصية ؟ هل هي طريقة عيش غير مبتذلة أو طريقة تفكير مغايرة؟ ولربما أراد الكاتب الإشارة إلى تجربته الإبداعية الخاصة في مجال الأدب ويعد هذا الفن هو مجازفة هو يستلذ بها ولذا محاولته متكررة، يبقى السؤال قائما لماذا واجهنا بعتبة أختزال؟ هل يريد استدراجنا حتى يفاجئنا بحقيقة ما ربما تكون خافية علينا ولها دﻻلتها السياقية وجمالياتها الفنية. كل هذا يدفعنا إلى الولوج إلى حرم النص.
شاعرية المتن:يستحضر القاص مشهد كاتب ينتهي من كتابة نص قصصي له ويصف النص بأنه الأخير،ليجعلنا نقف عند الضمير “الها” العائد إلى الكاتب المشار له في النص عبر الراوي العليم.
وهذا الكاتب غير راض عن نصه فمازال يحذف ويضيف بما يلبي طموحه في الوصول الى الأنموذج الذي يصبو إليه.وهذا واضحاً في الملفوظ السردي الممثل في العبارات_في اليوم التالي أعاد قراءتها، صحح الأخطاء اللغوية والنحوية للصفحة الأولى ثم أضاف وحذف،انتقل إلى الصفحة الثانية فالثالثة ،قرأ قصته للمرة الأخيرة بعد الحذف والإضافة. وهكذا نلحظ امتعاض الكاتب من نصه والشاهد نفث الدخان على المنضدة،تناول القصة ومزقها بعصبية، كل هذا يجعلنا نقترب من الدﻻلة السيمائية للعتبة بما يخالف توقعنا فعملية الاختزال لم تجدي نفعا مع محاولته المتكررة في التعديل، ولنقف قليلاً مع المحاولة كفعل حاصل وتام أعادة قراءتها_صحح-بعد الحذف والإضافة=تناول القصة ومزقها. تحيلنا هذه المفارقة في الموقف بين القبول والرفض إلى إشارة سيميائية وإحالة خارجية تدلل ربما إلى عدم قناعته في جدوى من الكتابة كفعل ينتصر للحياة وهنا إشارة أخرى فيها تخصيص “فالها”العائدة إلى الكاتب تسور التجربة في محيطه وواقعه،بمعنى تولدت القناعة بعدما خبر محيط بيئته المجتمعيه.ولعل فعل الإنتحار الذي يقفل به النص له له انزياحاته التي تغلق حدودية البؤرة السردية في عدة معطيات،تبعا لثقافة المتلقى و ومرجعياته.
القفلة حسب المعطيات التحليلية التي ذكرت، لها وجوه عديدة منها بما ينسجم وما ذهبنا إليه أن فعل الإنتحار ما هو إﻻ دالة على فعل الكتابة ولحظة خلاص من مكنونات اختمرت في الذات والاوعي للكاتب، لذا نرى الكاتب يشير هنا إلى فعل الإنتحار كعامل إيجابي وليس سلبي ولو كانت الإشادة بفعل الإنتحار بمفهومه المرضي رغم هنا مايشير للغضب وعدم الرضا في المتن الحكائي والخطاب النصي إﻻ أن هذا يخلق ارباكا دﻻﻻليا في التيمة أذ حينها يطرح سؤالا ما العلاقة بين المصاب بمرض نفسي أو ذوهاني من مع فعل الكتابة،وحتى إذا سلمنا جدﻻ هناك نوع من الربط لكنه غير مائز.
و يبقى الأقرب يكون بين فعل الكتابة ومدى القناعة في تأثيره على الحياة وهنا تحكمنا رابطة الخصوصية المكانية والزمانية للوحدات الفعالة في بيئة ما،وبين فعل الإنتحار كإزاحة لفعل الكتابة. هذا ما امكننا من فك بعض الرموز ويبقى النص مفتوحا لقراءات أخرى. دمت بخير أيها القاص القدير ومزيدا من الإبداع والتألق أستاذ سعدون جبار البيضاني.

أضف تعليقاً