للكاتب بسام الأشرم
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
ما أكثر النصوص الأدبية التى استخدمت الظل كمعادل , فالظل بدلالاته المتعددة صوفيا , وفلسفيا وأسطوريا وأدبيا أكثر مما يمكن أن يحاط به فى عجالة , وإدراك الكاتب لإمكانيات الظل كمعادل هو مايجعله أقدر على النجاح فى توظيفه لنقل الفكرة أولا , ولتوسيع الدلالة ثانيا , وما يهمنا بصدد النص هو دلالاتين للظل (1) كونه امتدادا روحيا لجسم صاحبه , بحكم المقاربة بين ( الظل / الجسد .. الروح / الجسد ) .. (2) كونه امتدادا ماديا مرتبطا بصاحبه فهو يبدأ ماديا من حيث ينتهى الجسد ولا ينفصل عنه . وانفصال الشخص ( الراوى ) فى النص عن ظله يدفعنا الى البحث عن الرمزية التى يمثلها هذ الانفصال . فهو يقف مشدوها يجتاحه البرد بينما تقترب منه , تمر به , ثم تتجاوزه . على مستوى الدلالة السطحية فى المستوى المباشر يمكن تصور الغادة الفاتنة التى يعود اليها ضمير الغائب , وتصور كيف تدفع حالة العشق الراوى الى تتبع الفتاة الى خارج البلدة حيث تتلاشى خلف بوابة واسعة , ندرك أنها تقود الى المقابر , لكن توظيف الظل بشكل رمزى يتجاوز قواعد الفيزياء يدفعنا إلى اقتفاء الدلالة الكامنة وراء الرمز . فإذا تصورنا الظل بصفته امتدادا روحيا للراوى يمثل عمق التاريخ , وثراء التراث الحضارى , فما خلب لبه هو الحضارة الغربية بقيمها المفارقة لجوهر التراث الذى يمثله الظل كامتداد فى الزمن , ونستطيع أن نعى أن ما تزينت به الغلدة من فتنة وبهرج هو ماشده , ولا يغيب عن المتلقى أن اللحظة التى باغتت الفتاة فيها الراوى هى لحظة تردى وانسحاب , وهو ما يتوافق مع الظرف التاريخى الراهن , فقد تعرض الشرق للهجمة الغربية وهو فى أسوأ حالات ترديه وانفصاله عن منابع مجده الغابر وهو ماعبر عنه النص بالبرد الذى يجتاحه لحظة أن شدهه ظهور الفاتنة . والنص يرصد أمرين . أولهما أن الراوى قد فتن وانشده ما دفعه الى اقتفاء الفتنة غافلا عن ( ظله / تاريخه ) .. ” أقف تاركا ظلى مكانى ” . وثانيهما أن الفتنة ( الفتاة / التغريب ) اقتربت , فمرت , فتجاوزت , فتلاشت , فالفتنة لم تبد أى بادرة التفات أو اهتمام , بل سعت فى سبيلها لا تلوى على شىء , أما الراوى الذى ذهل عن نفسه ولم يدرك الا مظاهر الفتنة , فقد خاب مسعاه اذ لم يجن من السعى خلفها الا ما أنفقه من وقت وجهد , أما المأزق الحقيقى الذى قاده سعيه اليه , فهو انفصاله عن ظله / تاريخه , أما السوط الذى يلهب به النص الظهور , فهو الخاتمة , اذ يظل الراوى سادرا فى جهالته , و بدلا من أن يعود باحثا وساعيا الى ظله , يستمر فى البحث عنها .. أين يواصل البحث ؟ بين القبور . أما الملفت للنظر حقا فهو دلالة مرور الفاتنة دون أن تعير الراوى انتباها , فالنص يوحى بالدلالة الأكثر مدعاة للدهشة , وهى أن الحضارة الغربية لم تسع الى الحاق الهزيمة بالشرق , بقدر ماألحق الشرق الهزيمة بنفسه جراء استسلامه لمجرد الولع بمظاهر الفتنة . فبقدر ماتجاهلت الغلدة الراوى , بقدر ما أحجم هو عن المبادرة بإنشاء ثمة اتصال فيما بينه وبينها , فنحن نراه اكتفى باقتفاء أثرها .
نص ثرى كدت أن أحجم عن تناوله بعدما قام كاتبه صديقى العزيز بسام الأشرم بشرح مقاصده . لكنى أقول كما قلت سابقا أن دور الوعى فى الكتابة الفنية لا يتعدى العشرة بالمائة , بينما يقوم اللاوعى باستدعاء المخزون الثقافى للمبدع ليقوم بمعظم العمل , قد تكون القصة بسيطة فى مفرداتها وخطة السرد التى بنيت عليها , لكن المتأمل يستطيع أن يكشف اللثام عن موقف الكاتب من القضايا المصيرية التى تتعلق بجوهر وجوده ووجود أمته . تحياتى للمبدع الجميل بسام الأشرم .