بقلم الكاتب نور الدين عمار
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
قراءة نقديّة في نصّ “الحاجز الأخير” للكاتب نور الدين عمّار
النص
الحاجز الأخير
أخيراً فازت يدي بلقمة من صحن الوطن الكبير، حملتها بإصرار، متحمّلة كلّ الصعاب، في طريقها إلى فمي، بدهشة توقّفت أمام الحاجز الأخير المغلق؛ شفتاي الملتحمتين.
مقدّمة
يندى الجبين لهذا العصر، عصر الانحطاط والتخلّف والاختلاف العربيّ، يندى الجبين لواقع كثير من الأمم العربيّة الّتي طالتها محرقة الربيع العربيّ، فأصبحت مستنقعاً للقتل والدمار والأوبئة، نقف وقفة حسرة وألم أمام ما يحصل في ليبيا وتونس وسوريا واليمن، حتّى الدول الّتي سلّمت من لعنة الربيع الدمويّ، ما زالت تعاني الأمرين مع أنظمة استبداديّة احتكاريّة، فبالرغم من أنّها تتجمّل بصناديق الاقتراع والدساتير والأحزاب والإعلام الخاصّ، إلّا أنّ القبضة ما زالت حديديّة وما زال المواطن العربيّ في أغلبيّته يعاني من أزمة السكن والصحّة والتعليم و…، في عصر التقنيّة والتكنولوجيّات ما زال هناك من يقتات على القمامة، وما زال هناك من يسكن الكهوف، وما زال هناك من يموت ولا يكتشف الناس غيابه إلّا من خلال رائحة جثّته. تغيب العدالة بمختلف ألوانها عن مجتمعاتنا العربيّة والإنسانيّة، وتستحوذ على واقعنا ألوان الظلم والحزن.
نصّ القراءة النقديّة هو نصّ “الحاجز الأخير”، للكاتب السوريّ نور الدين عمّار، نصّ يعكس ويبثّ لنا مشهد المواطن البائس وواقعه المرير في وطنه.
أخيراً، فازت يدي بلقمة من صحن الوطن الكبير
كلّ عربيّ، صحن وطنه كبير، صحن يكفي الجميع دون استثناء، لما تزخر به أوطاننا من ثروات، حتّى الأوطان الّتي تفتقر إلى نفط وغاز أنعم عليها الله بثروات بديلة تعوّض الثروة النفطيّة، غير أنّ الأنظمة الحاكمة جعلته بعيد المنال رغم سعته وكبره، فلم يعد فيه للمحرومين نصيب.
أخيراً: دلّت في النصّ على عديد المحاولات من أجل الظفر بلقمة صغيرة لسدّ الرمق، محاولات فاشلة تعني عدم النجاح في الوصول، أو أنّ الأمر كان ينتهي كلّ مرّة بعراقيل ومطبّات وطرد، ولكنّ عديد المحاولة بعد كلّ فشل تدلّ على تمسّكها بحقّها من جهة، وتمسكها بوطنها، في حين تستطيع أن تنال هذه اللقمة بسهولة ويسرّ ربّما من صحن أوطان أخرى.
صحن الوطن الكبير: صفة الكبير سأجعلها تعود على الصحن والوطن في نفس الوقت، فالصحن الكبير، وهو صحن الوطن الكبير، يطعم لو شاء أبناءه وأبناء العجم. فرغم هذا الكبر استحوذ عليه الغاصبون، ومنعوا عنه أصحاب الحقّ.
حملتها بإصرار، متحمّلة كلّ الصعاب
لم تكن هذه المحاولة الأخيرة، محاولة سهلة، كانت بعيدة المنال وهي بالقرب من الصحن، حاولت أن تقترب أكثر وأكثر، تحمل القليل منها ثمّ تسقط ثمّ تحاول مرّة ومرّة، أحياناً تسقط هي وتقوم للمحاولة من جديد، حتّى تمكّنت منها أخيراً.
الكاتب حاول أن يصوّر لنا مشهد المعاناة، لكن كان بالإمكان تصويره بكلمات أقلّ، وتكثيف أكثر، بدا لي من الأفضل: “أخيراً، وبإصرار، فازت يدي بلقمة من صحن الوطن الكبير..”، فالإصرار يحمل بين ثناياه التحمّل والصعوبات خلال المحاولة.
في طريقها إلى فمي، بدهشة توقّفت أمام الحاجز الأخير المغلق
الحديث عن الحاجز الأخير المغلق هذا يعني أنّها تجاوزت حواجز عديدة، ربّما حاجزاً واحداً أو اثنين أو أكثر، وهنا يغيب بعض المنطق عن المشهد، فاللقمة كان بالإمكان تناولها قبل أوّل حاجز، أو بعد النجاة من الحواجز الّتي تليه، أيضاً جعل الحاجز معرّفاً بالقول الحاجز الأخير المغلق، يطرح الكثير من الأسئلة حول المكان، ويعجز القارئ عن تصوير المشهد المناسب له، هل هذا الحاجز الأخير موجود بين دولة ودولة، قبل الدخول إلى مدينة ما، قبل دخول الحيّ، ويتساءل القارئ عمّا حصل قبل الوصول إلى الحاجز الأخير، وكيف تمكّنت من الإفلات من الحواجز الّتي سبقت، لذا من وجهة نظري لو قلنا:
“بدهشة وقفت أمام حاجز مغلق”، لكانت اللقطة أجمل وأبلغ وأروع، فبعد أن توقّعت الحصول على اللقمة أخيراً وبعد محاولات وإصرار، واللقمة في طريقها إلى الفم، وهي تهمّ بالاستدارة للانسحاب وجدت أمامها حاجزاً مغلقاً. ونستطيع أن نتخيّل أنّ الحاجز قد سقط من أعلى أو أنّه تكون بسرعة، وكأنّه سقط أو تكون خصّيصاً لها.
الكاتب اختار ضمير المؤنّث “متحمّلة”، فمن الجميل لو تمّ التعريف بها كأمّ تحاول وتصرّ من أجل الظفر باللقمة لأبنائها، لكن “في طريقها إلى فمي” لم تسمح بذلك، فاللقمة كانت لها، وبالتالي تصبح المعاناة معاناة امرأة، وفي المشهد لا تختلف عن معاناة الرجل الّذي يكابد بنفس الطريقة من أجل الحصول على حقّه، أعتقد أنّ توظيف ضمير المؤنّث هنا لم يعط أيّ خصوصيّة للمشهد.
شفتاي الملتحمتين
شفتان ملتحمتان، كما لو أنّه البكم، كما لو أنّنا وقفنا على فعلة مشينة لأحدهم مع سبق الإصرار والترصّد، ليس له في هذا الموقف ما ينفعه حتّى ليبرّر فعلته، كلّ ما يجب أن يشغل باله أن يجد الطريقة المناسبة لشرح دوافع فعلته والتفكير في العواقب.
وبناء على ما سبق من ملاحظات، أعتقد أنّ الكاتب لو اكتفى بعنوان “حاجز”، لكان كافياً ومعبّراً، ولترك العنوان بعدها للنصّ مهمّة بثّ المشاهد، في نصّ مكثّف حسب رأيي من الأفضل عدم تكرار العنوان، ولكان من الأفضل اختيار عنوان مغاير يعبّر عن الرمز الموجود في النصّ، العنوان الّذي اقترحه الكاتب هو “الحاجز الأخير”، وهو مربط الفرس في فهم وتأويل النصّ، جاء مكرّراً وللأسف جاء مبهماً وغير مفهوم في صيغته المادّيّة والمعنويّة، ولو منح لي خيار انتقاء عنوان لاخترت: “نصيب”.
النصّ بصياغتي المفضّلة مع خالص احترامي وتقديري للكاتب ولا يعدو هذا مجرّد رأي:
نصيب
أخيراً، وبإصرار، فازت يدي بلقمة من صحن الوطن الكبير، في طريقها إلى فمي، بدهشة وقفت أمام حاجز مغلق، شفتاي الملتحمتين.
الرمز
القارئ المتأمّل في النصّ، سيقف عند صورة رمزيّة حزينة ساخطة ومثيرة للغضب، حالة المواطن الّذي أضحى يجري وراء محاولات عدّة وبإصرار من أجل أن يحصل على أدنى شيء من حقوقه، يصطدم مع حواجز إداريّة، نظاميّة، استبداديّة، مغلقة، ليس فقط، تمنعه من الحصول على أدنى حقّ له كمواطن، وإنّما تسلبه ما حصل عليه بعد محاولات وإصرار، صورة تبيّن واقع كثير من الأنظمة العربيّة العسكريّة والبوليسيّة والّتي يكاد يشكّ فيها المواطن أنّها تسمع ما يدور بينه وبين نفسه، أو أنّها أقرب منه من شهيقه وزفيره، على علم بما يفعل وما سيفعل. هي صورة لمواطن يسير إلى مصيره وحده وفي صمت، قد يموت مرضاً أو جوعاً أو إعداماً دون أن يسمع عنه أحد، وما بالهم لو سمعوا فمصير خبره إلى مزبلة النسيان.
الخاتمة
أقول ختاماً أنّ فكرة النصّ جميلة وبليغة، وبثّت صوراً كثيرة ورمزاً قويّاً في سطر ونصف، وهي ميزة النصوص الأدبيّة المكثّفة، كان بإمكان الكاتب أن يشتغل عليه أكثر ويعرضه في أبهى حلّة، فيبثّ مع جماليّة الفكرة والرمز جماليّة الأسلوب والخصائص الّتي تميّز هذا اللون الأدبيّ.