للكاتبة هنادي بلبل

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

من كلمتين كان العنوان، و هو العتبة الأولى لأي نص، الحظ واحد، عنوان أراه وحيد الدلالة، لأنه يشير إلى خط واحد لمسار درامي لبطل النص، فحظ واحد يعني حظًّا في اتجاه واحد لا يتبدل، فهل ترى هذا الحظ كان حظًّا سيئا؟! أم هو حظٌّ جيد؟!…هذا التساؤل المهم هو ما يعطي قيمة جميلة للعنوان و يجعله عتبة ممتازة للولوج إلى عالم النص، للبحث في تفاصيل و أحداث ذلك الحظ.
تبدأ الكابتة سردها بطريقة السارد من الخلف، و فيها يكون الراوي عليما بكل شيء، و تستهلّ قصتها بجملة اسمية، ليس لنا إلا أن نقف عند شاعريتها الجميلة(نبضات قلبها كانت كفيلة باحتوائه)، جملة شاعرية تختلف عن الكثير من جمل العشق المتداولة، جاءت عفوية و صادمةً منذ البداية لتعطي وهجا لذلك الحب، الذي يجعل العطاء منه، حضنا دافئا، فقد استسلم بطل النص لقلب تلك الإنسانة التي منحته تلك النبضات المخملية الناعمة، و عندما نقرأ العبارة الثانية(أبعدت عنه أشباح من غدروا به)، سرعان ما نشعر بجمال العبارة السابقة و روعة ذلك الاحتواء، فهذه العبارة الأخيرة توحي لنا بأن البطل قد عانى كثيرا من غدر المحبين، و يبدو أنه قد وقع في شرك الغرام كثيرا، و ناله ما ناله من شجون الغدر و همومه، حتى خُيِّل إليه أن لا بُرءَ من تلك الخيانات.
و ما مآل من يلقى هذا القلب الجميل و هذا الحضن الدافئ بعد معاناة و مكابدة لمشاق الحب؟ لا بدَّ أنه سيتسلم له و سيشعر بقيمة هذا الفؤاد الذي قدَّم له البلسم، لذلك راح يتنعَّم بظلال هذا الحب، فأصبحت هذه المعشوقة كالأيكة المخضلَّة التي تحميه بظلالها من هجير الزمن و غدره.
لكنَّه في ظل تنعُّمِّه بهذا النعيم و هذه الأفياء، تتسرب إلى مشاعره..يتسرَّبُ إلى قلبه، نبضة غريبة تصدر عن تلك التي احتوته و جعلته يعيد المواثيق و العهود للحب، الله ما أجمل هذا التعبير الشاعري(وهو يتفيأ ظلال حبها، تلقّف نبضة شاردة) فما هي تلك التبضة الشاردة؟ هل هي أعمق أعماق الحب؟ هل هي ذلك الشعور الخفي الذي لا يعرفه إلا من جرَّبه و اكتوى بناره كما بطل النص هنا؟ هل هي إشارة أو كلمة أخطأت بها البطلة فكشفت المستور؟ هل هي تصرفٌ قامت به جعله يستشعر ذلك الإحساس الغريب؟ لنا أن نتخيل مدى المجال الذي تحمله تلك النبضة الشاردة.
تلك النبضة ليست بغريبة عليه فكأنَّه خبرها من قبل، فكلمة يقلبها بين يديه، تذكرنا بأي خبير يقلب شيئا يختص به بين يديه…نعم نعم إن صاحبنا هنا مختص بهذه النبضات، إذ لطالما جربها و عاشها و أحس بها، و هاهو بخبرته التي منحته إياها معاناة العشق، و مكائدُ الغدر، يعرف أن تلك النبضة فيها الكثير من العلامات و الإشارات التي تدل على أنَّ هذا القلب لم يكن بكرًا، لقد فُضَّ غشاء بكارته منذ زمن و ربما لأكثر من مرة.
و هنا نعود للعنوان لنرى مدى ارتباطه بالنص و بالقفلة بالذات، فهذه القفلة الرائعة تعطينا عدة احتمالات، و هذا من جماليات القصة القصيرة جدا، و من حلاوة هذه القفلة أنها تجعل كل متلقي يتلقى هذه القفلة من خلال خبراته هو في الحياة و من خلال تجاربه الخاصة ، لتعطي مدًى واسعًا من التأويل يختلف حسب المتلقي، فقد يرى أحدنا أن البطلة قد عانت مثلما عانى البطل من غدر المحب، و ربما وقعت في الشرك أكثر من مرة و من كلمة بصمات متعددة قد نستوحي ذلك، لذلك وجدت هي أيضا في قلبه الملاذ و الأمان، و ربما يجد متلقٍ آخر أنها كانت تغدر به مثل سابقاتها ففي الوقت الذي سلَّم البطل قلبه لها كانت هي كمن سبقها تمارس غواية الحب مع آخرين و ما كانت نبضاتها في بداية النص إلا فخا جديدا، لشخص أراد الأمان بعد سلسلة من النكبات، و ربما يأتي متلقٍ آخر ليقول لماذا نحصر النص فقط في الحب و مغارمه، لماذا لا تكون تلك النبضة الشاردة هي مآسي أخرى مرتبطة بحياة البطلة؟ قد تكو نبضات لأولادها الذين فارقتهم مثلا؟ أو أي شعور آخر ربما جعلها تظهر أمام البطل بصورة مختلفة…..و الاحتمالت تتعدد و تستمر كما أسلفنا حسب طبيعة المتلقي و ظروفه الخاصة…و هنا تماهي العنوان مع القفلة فهل المقصود بالحظ الواحد هو حظ البطل السيء الذي أوقعه في مصيدة جديدة من الغدر؟ أم هو حظ البطل و الببطلة المتشابه بحيث ان كلاهما عانى نفس المشاكل مع المحبين و غدرهم، و هنا ندرك أهمية العنوان في الققج و مدى مشاركته في تكثيف النص لأنه يقول الكثير، فيمنح الكاتب فرصة الاختزال و التكثيف أكثر في النص.
إذا لدينا هنا بطلٌ يعاني و يعيش العديد من قصص الحب الفاشلة ثم تأتي تلك المنقذة بقلبها الجميل، لتهرب إليه في غفلة نبضة شاردة منها، نبضة تفتح باب التأويلات، لنقرأ هنا تكثيفا رائعا في النص، فالكاتبة لم تدخل في تقاصيل قصص الحب الفاشلة، و لم تذكر تلك اللواعج و تسهب في وصف نكبات البطل و مدى حزنه، و لم تدخل في تفصيل كيف جاءت تلك المنقذة و كيف ظهرت في حياة البطل لتقدم له الخلاص، ثم لندخل في طريق آخر من القصص بعد تلقف النبضة الشاردة، و التي أيضا تفتح الباب على مصراعيه لنا لننسج قصصا و أقاويل و حكايات حول تلك العبارة البسيطة، إذاهذا هو التكثيف الذي نقصده في القصة القصيرة جدا، تكثيف يغنيك ببعض عبارات عن قول الكثير و اختصار الكثير من الكلام الذي قد يسرق منا متعة التلذذ بالقصة ، و يحرمنا من وجبة دسمة جدا نتناولها خلال لحظات، دون أن نقبع جالسين لدقائق طويلة وربما لساعات، فنصاب بالملل قبل أن نستشعر بذلك الجمال الذي لمحناه و قبضنا عليه و عشناه من خلال عبارات قليلة أغنت و قالت الكثير الكثير…و هذا التكثيف لم يكن ليتأتى لولا وجود كاتبة بارعة تمتلك أدواتها السردية و لغتها الجميلة و الشاعرية، و تعرف كيف تضع كل كلمة في مكانها ابتداءًا من العنوان و حتى القفلة.
لا بد أن نشير هنا في سياق التكثيف إلى أهمية علامات الترقيم و خاصة نقاط الحذف و الإضمار التي استخدمتها الكاتبة و نجحت فيها بصورة ملفتة، لتزيد من تكثيف النص و تحملنا على التأويل و ملء الفراغات، و هذا يحسب لبراعة الكاتب المتمكن.
كنت فقط أتمنى من كاتبتنا المبدعة لو أنها استمرت بأفعال الحاضر(المضارعة) بدءًا من النصف الثاني من النص و الذي ابتدأته فعلا بفعل مضارع لكنها سرعان ما عادت للماضي، و ذلك لأن هذه الأفعال تعطي حياة و حركة أقوى للنص و تجعلنا نعيش الحدث منتظرين الآتي و لا ننهيه كما الماضي…سأقترح الصياغة بهذا الشكل، و هو وجهة نظر شخصية لا تقلل أبدا أبدا من روعة النص و جماله.

أضف تعليقاً