النص للكاتية خيرة ساكت
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
“الغولة” نصّ سرديّ، عدّته صاحبتُه قصّة قصيرة وطرحت من خلاله مسألة كيفيّة تقبّل الأسرة والمحيط الاجتماعيّ ذوي الإعاقات العقليّة من خلال “سيرة” الطفلة فطّومة.
العتبة الأولى: العنوان:
“الغولة” اسم مؤنّث معرّف بالألف واللّام، مذكّره الغول وهو حيوان لا وجود له ـ كما ورد في القاموس ـ وجمعه أغوال. وهو أيضا ما يتلوّن ألوانا من السَّحرة والجنّ. وقد وردت هذه الكلمة: الغولة عشر مرّات في المتن (10) إضافة إلى العنوان =(11مرّة) وثلاث عشرة مرّة (13) بمرادفتها: فطّومة، زيادة على ما يُحيل عليها من ضمائر وصفات. إنّ هذا التكرار الّذي أحسبه مقصودا يجعلني أذهب إلى أنّ هذه الغولة = فطّومة هي مدار الحكي وجوهره. فتكون الكاتبة خيرة السّاكت قد كشفت اللّعبة السرديّة بهذا العنوان، ممّا يضعف طاقة التشويق والتكثيف والمباغتة الّتي هي من مقوّمات القصّة القصيرة.
المتن:
نصّ سرديّ قصير يجعل الغولة مركز القصّ ومداره، في تسلسل خطّيّ من أوّله إلى آخره، دونما تكسير للزمن استرجاعا أو استشرافا:
تبدأ الكاتبة النصّ بتعريفنا بالغولة فطّومة دفعة واحدة: ” فطومة بنت لا تشبه البنات في شيء.هيئتها أقرب إلى الكائنات الخرافيةمن هيئة البشر.”فهذه الغولة بنت ولكنّها لا تشبه البنات إطلاقا، ومتى كانت الغولة تشبه البشر؟! بل إنّ ما جرت به العادة أن يشبِّه المخيال العربيّ البشر بالغول (ة)، ومنذ اللّحظات السرديّة الأولى انتقلت بنا الكاتبة من عالم إنسانيّ إلى آخر خرافيّ سحريّ، بل لعلّها مزجت بينهما لاحقا. فهذه الغولة لها صفات مرئيّة محسوسة وليست مجرّد شبح هلاميّ متخيَّل؛ فهي ذات “شعر غير مسرح أشعث خشن تنفخ فيه الريح فتزيد من ارتفاعه إلى أعلى وانتشاره في كلّ الاتجاهات.يختلط مع الصوف والأتربة وكلّ أشكال الحشرات .أسنانهاكبيرة وغير منتظمة كما تراكمت عليها بقايا الطعام فاصفر لونها. ثيابها بالية متسخة ترفض تغييرها. ترتدي فوقها دائما معطفا بلاستيكيا سواء أن كان الطقس حارا أو باردا.” وهذا الوصف الماديّ الدّالّ على قبح المنظر إنّما هو سليل الإهمال والتهميش واللّامبالاة بها، وما أكثر المهمَلين المهمَّشين أمثالها في مجتمعاتنا الّتي تتنكّر لحقّ المخبولين أو النّاقصين عقليّا في أبسط حقوقهم الإنسانيّة من عناية بهم ورعاية خاصّة لهم. بل لعلّها تضعهم في درجة دون درجات أبناء آدم وحوّاء.
وما دامت فطّومة طفلة، فمن البديهيّ أن تخرج إلى لداتها، فكيف يعاملها هؤلاء الأطفال؟
“تخرج لأطفال الحي فيضحكون من هيئتهاويرددون “غولة! غولة! قدمت الغولة”لقد نزعوا عنها اسمها فطّومة وكنّوها بالغولة لأنّها لا تشبههم في هيأتها وفي سلوكها، حتّى صارت بالنسبة إليهم ليست من جنسهم ولا من عالمهم. فطّومة لا تردّ عنها أذاهم وتتقبّل ذلك بسلبيّة من اعتاد عليه، بل لعلّها لم تعِ دونيّة هذه “الكنية” وما تحمله من استنقاص وتهجين وسخرية. فهي في هذه الإطلالة الأولى في تعاملها مع محيطها تبدو مفعولا بها ولا قدرة لها على ردّ الفعل وإن احتجاجا أو…
وتنبري الكاتبة في سرد بعض المواقف والأحداث تباعا لتأكيد هذه السلبيّة وتكريس المفعوليّة:
ـ معاملة أمّها لها ـ وهي التّي من المفترَض أن تكون أرحم النّاس بها وأرأف ـ مبنيّة على العنف والقسوة وملتبسة بالمعتقدات الشعبيّة والخرافة، وبذلك يُضاف إلى فطّومة الغولة صفة أخرى: “درويشة” ومن “أهل بسم الله”: “تمسكها بقوة وتضربها فتقع فطومة أرضا تحرك يديها ورجليها بسرعة كخروف يقاوم الذبح.تنقلب عيناها ويغمى عليها فتتركها الأم حزينة ملتاعة.صارت الأم على قناعة تامة بأن فطومة درويشة وما إغماؤها المتكرر إلا علامة على اتصالها بأهل بسم الله والعالم الآخر.” وفي هذا المشهد تبرز سلبيّة فطّومة أكثر لعجزها عن المقاومة ودفع أذى أمّها عنها فمقاومتها ليست إلّا كمقاومة الخروف الذبحَ. وما هذه الصورة إلّا إمعان في بيان سوء المعاملة وهزال الرّصيد التربويّ للأمّ المؤمنة بالخرافات وباتّصال ابنتها بعالم الجنّ، ممّا يجعل سلبيّة الأمّ الحاضنة المربّية لا تقلّ عن سلبيّة ابنتها فطّومة، إذ هي لم تبادر بعرضها على طبيب مختصّ ليعالج علّتها أو ليحدّ من استفحالها.
وأمّ فطّومة ليست إلّا نموذجا لنساء كثيرات في مجتمع تحكمه الخرافة والإيمان بقدرة الجنّ على السيطرة على الإنس؛ فذي جدّة فطّومة تؤكّد موقف كنّتها أمّ فطّومة وتعامل الطفلة بقسوة أشدّ، فلا تذكر اسمها بل هي في نظرها غولة وبلهاء وقذرة ومجنونة وعنوان نحس على أبيها وحقارة، لذلك تكرّس الجدّة أهمّ حواسّها (العين واللّسان) لإذلالها وأمّها: تنظر إليها شزرا وتقرّعها لتغيظ أمّها وترثي حال ابنها: “تأتي الجدة في زيارة لمنزل ابنها فترمق فطومة شزرا قائلة:
ـ متى تسرح هذه الغولةشعرها وتحسن من هندامها؟
ـ لا تقولي عنها غولة! إنها محظية برعاية الله!
ـ ابنتك بلهاء! محظية بالعفن والوسخ ليس إلا..يالحظ ابني السيء! لا يكفي أنها بنت بل ومجنونة أيضا..
لا تملك الأم سوى أن تطلق العنان لدموعها أمام تقريع حماتها..”
إنّ هذا المشهد الّذي ورد حوارا بين الجدّة وكنّتها لَحمّال إشارات عديدة وجميعها تؤكّد نظرة نساء هذا المجتمع إلى ذوي الإعاقات وخاصّة إلى الأنثى الّتي في تقديرهنّ دون الذّكر منزلة وهي في أتمّ صحّتها وسلامتها العقليّة، فما بالك إذا كانت تشكو إعاقة مّا؟! ولئن بدت الأمّ مدافعة عن ابنتها أمام تهجّم حماتها المجانيّ عليها، فهي لا تملك الحجّة العلميّة أو النفسيّة للدّفاع النّاجع عنها بل نجدها تسقط في سلبيّة أخرى: الإيمان بأنّ ابنتها “محظيّة برعاية الله” ومصطفاة لتكون “درويشة” حمّالة خير وبركة وربّما معجزة. وتُضاف إلى هذه السلبيّة سلبيّة أخرى: استكانتها لتقريع حماتها، إذ لا حيلة لها سوى البكاء.
ومن خلال هذه المشاهد القاتمة الّتي رسمتها الكاتبة تباعا مبرزة تعامل عدّة أطراف مقرّبين من فطّومة لها: أطفال الحيّ والأمّ والجدّة، تنبجس نقطة ضوء، هي الوحيدة في هذا النصّ: سلوك الأب مع ابنته فطّومة؛ فإذا بنا في مشهد مغاير بل مناقض للّتي سبقته: يتحوّل العنف سلوكا وتلفّظا إلى لين، فترقى اللّغة والصّفة من “الغولة” إلى “الغالية” وشتّان بينهما رغم تجانس الحروف. و يحلّ محلّ نظرة الجدّة الشزراء ابتسام الأب، ويعوَّض غضبُ الأمّ بهدوء الأب ويستحيل تأكيد كنية الغولة نفيا… أفيكون الأب رغم عودته من العمل منهكا أرحم بفطّومة من لداتها وأمّها وجدّتها؟!
ولئن لم تتغيّر هيأة فطّومة بحضور والدها، إذ هي لا تزال تلعب بالتراب في الحديقة كعادتها وتقف بالباب وقد تلوّثت ثيابها وشعرها به ممّا جعلها تحكّه بلا هوادة، إلّا أنّ سلوكها تغيّر، فما عادت تلوك كلّ ما يعترض سبيلها وأقلعت عن البصاق هنا وهناك! إنّ مردّ هذا التغيير ليس إلّا معاملة أبيها لها وتلطّفه معها وتودّده لها… إنّه لا ينبذها ولا يعنّفها بل يدعوها إلى مشاركته طعامه، فإذا بها تجلس إلى جانبه في هدوء وتأكل معه كما يفعل كلّ الأطفال الأسوياء دون أن تحدث أيّ مشكلة!
إنّ إحساس فطّومة برقيّ سلوك أبيها معها وبدفئه الأبويّ وانتمائها إليه، فهي “غالية أبيها” يمتصّ منها كلّ ردّة فعل عنيفة ويجعلها تسكن إليه مطمئنّة إلى أنّه يحبّها ويحميها، فما أشدّ أسر ضمير المضاف إليه “ها” في “أبيها”! وكأنّي بالكاتبة بهذه الإشارة الخفيّة اللّطيفة أدركت علّة تمرّد هذه الطفلة على المحيطين بها رغم هشاشتها وقلّة حيلتها… وكأنّها أدركت أنّ بالإمكان في مثل هذه الحالات أن نحقّق باللّين والمودّة ما نعجز عن تحقيقه بالعنف، لفظا وعملا: “عاد الأب من عمله منهكا وما إن جلس على الأريكة حتى سأل زوجته:
ـ أينالغالية ؟
ـ تقصد الغولة، أكيد تلعب بالتراب في الحديقة.. لقد نعتتها أمك بالغولة والوسخة وسمعت منها اليوم ما يندى له الجبين.
ابتسم الزوج و قال هادئا :
ـابنتي ليست غولة أما عن كلام أمي فهي امرأة مسنة ولا تفكر مثلنا ومهما حدث تظل جدتها..
ارتاحت الأم لكلامه ووضعت العشاء على المائدة أمامه.
تقف فطومة في الباب وقد غطى التراب كل ثيابها.تحك شعرها.
تهدأ عند وجود أبيها وتكف عن البصق ومضغ كل ما يعترضها من أجسام..
كلمها والدها متوددا :
ـ فطومة الغالية ستتناول العشاء معأبيها !
جلست إلى المائدة وأكلت دون أن تحدث أي مشكلة..”
ومن هذا المشهد الأبويّ الطّافح حنانا ودفئا تنتقل بنا الكاتبة إلى مشهد أشدّ قتامة وبؤسا ممّا سبق، فرغم السنين الّتي قطعتها فطّومة ورغم بروز أنوثتها دونما إعاقة جسديّة على ما هي عليه من إهمال وقذارة ظلّت تلهو بين الأطفال فيرمونها بالحجارة ويدعونها “الغولة” حتّى سال دمها وأغمي عليها، فأسرعت إليها زوجة عمّها مسعفة وقد أشفقت عليها وبادرت بدعوة أمّها إلى تزويجها رغم وعيها بألّا أحد يرغب في الزّواج بها لقذارتها وقصورها عن تحمّل المسؤولية، ممّا اضطرّهما إلى ركوب الحيلة، وأيّة حيلة: اللّجوء إلى الشعوذة، بل إلى بركة الشيخ مبروك لنيل المقصود ! وانتهى بهما المطاف إلى دسّ ورقة بخمسين دينار مقابل وُريقة خربش فيها بسائل أصفر ما لا يعلمه غيره، بل لعلّه لا يعلم ما خربش وطلب أن تُنقَع في الماء لتشربها فطّومة، حتّى يُفتح لها باب الزواج. إلّا أنّ القدرة الإلهيّة شاءت أن تموت القطّة الجائعة بعد أن لعقت السّائل فداء لروح فطّومة، الغولة!
إنّ هذا النصّ على بساطة بنائه السرديّ ويسر لغته حمّال نظرة نقديّة ثاقبة لمجتمع لا يزال الجهل بمقوّمات التربيّة السّليمة للأطفال حاملي الإعاقات العقليّة \ النفسيّة جاثما عليه ومكبّلا إرادته في بوتقة الإيمان بقدرة الخرافة والشعوذة والدّجل على حلّ المشاكل المذكورة. وهو أيضا صرخة ودعوة ضمنيّة إلى التخلّي عمّا هو كائن والقفز إلى الضفّة الأخرى: ضفّة العلم والطبّ العضويّ والنفسيّ…
كم وددتُ أن تكون هندسة النصّ أمتن حبكة ومخاتلة وتشويقا لبعث الدّهشة والمتعة في نفس القارئ، إذ السرد الخطّي للأحداث وتصوير المشاهد كثيرا ما يكون رتيبا وباعثا على الملل.
ملاحظات شكليّة هامّة:
ـ مزيد الاعتناء بعلامات التنقيط ووضعها في أماكنها المخصوصة (مباشرة بعد نهاية الكلمة أو الجملة)
ـ التثبّت جيّدا من الفراغات التي يجب أن تكون بين كلمة وأخرى، لتكون الكتابة متناسقة.
خالص مودّتي وتقديري