للكاتب حسين عبد الجيد
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
العنوان:
انتصار / مفردة نكرة بمعنى الفوز و الغلبة والظَّفر. انتصر من عدوه بمعنى : انتقم منه، {ولو شاء الله لانتصر منهم}، انتصر الرجل بمعنى امتنع وقاوم ( هل ينصروكم أو ينتصرون )، وانتصر على خصمه أو( شيطانه) بمعنى غلبه وقهره. جمعُها انتصارات.
أرى العنوان مناسب جداً للنص وموائم لثيمته لا يكشف النص بل يحفّز القارئ للغوص في أروقته لمعرفة سرّ هذا الانتصار وحيثياته!!،
النص
ندلف النَّص وقد ابتدأه الكاتب بفعل حركي يستقطب القارئ ويحثّه بذكاء على المتابعة بشغف. دنتْ منه، وهو أيضاً / والدنّو مصدر مفاده الاقتراب… قيل الدّنو أيّ من الدُّنيا لدنوه ودناءته. {ثمَّ دنا فتدلَّى}
جملة وهو أيضاً / تؤكّد على وجود الرَّغبة لدى المعنيّين بأمر الاقتراب، ويبدو أنَّهما حبيبَين يحاولان إطفاء جذوة حبٍّ عارمٍ دونما وجه حق! وقد أضرمها الشَّيطان في نفسيهما الآمارتين بالسُّوء.
همستْ له بتحدٍّ / وكأنّ الكاتب هنا أراد أن يؤكِّد لنا أنَّ الغواية مؤنثة وكلمة تحدٍّ هنا تتدلِّل على التَّأكيد والإصرار منوطة (بالأنثى) فقط دون (الذَّكر) وهذا ما يُنافي قول الله تعالى -الَّذي أكّد فيه على الغواية (للجميع )- في كتابه العزيز
{{قال رب بما أغويتني لأُزيننَّ لهم في الأرض ولأغوينهم “أجمعين”}}38- 41 سورة ص
اندهش واكفهر / يتساءل القارئ للوهلة الأولى عن سبب اندهاشه ممّن همستْ له عن رغبتها في الدُّنو منه.أَلأنه لم يتوقّع جُرأتها…ولِمَ اكفهر؟
واكفهر هنا بمعنى عبس الرجل وتجهّم وتغيّر وجهه. هل هذا إضمار من الكاتب عن مدى انزعاج( الذَّكر) الذي تحوّل بغتةً إلى (رجل)!!!
لا أعتقد !!
باعتبارهما :
ركضا معاً إلى أريكتهما المُثيرة دون رقيب لكليهما / جملة بدأت بفعل حركي يعدو معها ذهن القارئ..إلى الأريكة وكأنَّ الكاتب أراد أن يُوحي لنا أنَّ المكان الذي تواجدا فيه بخلوة (غير شرعيّة )فيه أريكة والأريكة جمع أرائك وهي كلّ ما اتُكئ عليه من سرير أو فِراشٍ أو منَصّة.
أمّا كلمة المثيرة فكلمة تعمل على مخاتلة ذهن القارئ والعبث بمشاعره.لتشاكس مخيلته ويجادلها!!
دون رقيب / جملة تؤكّد على خلوّ المكان من أيّ عينٍ رقيبة.. إلّا من وسوسة الشّيطان بينهما وهنا يبدو النّص في ذروة أحداثه وتأزّمها… فيأخذ بذهن القارئ لتآويل عدّة لن يخرج منها إلَّا على دهشةٍ جميلة!!
نظرا إلى السَّماء / نقطة تحوّل رشيقة يتّخذ منها الكاتب منعطفاً جميلاً للخروج من بؤرة الإثم الّتي كادا بطلا القصة أن يسقطا فيها شرَّ سقطة!
{{وإمّا ينزغنّك الشيطان نزْغٌ فاستعذْ بالله إنّه هو السّميع العليم}}
تطوّرٌ لافتٌ و وثبة نوعيّة تنقل الأحداث من الدُّنو الفعل الأول في استهلال النص وهو من الدنيا الغَرور دار الزَّوال______ إلى الرّفعة والعلو.
حيث السماء الآخرة و دار البقاء
وهل أعلى مرتبةً من سماء عرضها السموات والأرض أُعدّت (للمتقين) فأيُّ مفازةٍ تلك الّتي تتنظرهما؟!! وأيّ منحةٍ بعد محنة؟
غرقا في بحار من الدّموع / كنايةً عن صحوةٍ عارمة ومُباغتة اعترتْ ضميريهما اللّذين حادا عن جادة الصَّواب و الهداية و الرَّشاد في لحظة ضعفٍ كبيرة. فأتتْ دموع الاستغفار والتوبة لتغسلهما من حوبتهما التي كادت أن تلحق بهما..فتطهّرا وتبرّأا من ذنبهما وصدَفّا عن وسوسة الشّيطان و نزْغِه بينهما!!
عندما شعرا بالطّمأنينة/ هنا في هذة الجملة تنحو الأحداث المتأزّمة للتّتدرج نحو الانفراج والتَّمهيد لقفلةٍ تواءم ثيمة النَّص وهدفه ..
يبدو أنّهما ذكرا الله مستعيذَين به من شرّ الشَّيطان الرَّجيم الذي كاد أن يرمي بهما في دَرَكِ المعصية :
{{ ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب}}
سالتْ دماء الشَّيطان/ وهل أوجب من نحر الشيطان بتقوى الله !!
وخرجا من ظلام اللّيل عفيفَين/ هنا نصل إلى الخاتمة الجميلة والمباغتة بفعل حركي تدرَّجت تنقلاته من الدُّنو والاقتراب والنظر والبكاء والغرق و.و.و. حتّى يبلغ الأمر منتهاه وهو (الخروج) من معصية كان ارتكابها قاب همستين أو خلوة… إلى مرضاة الله ومثوبة.
ليكون النَّصر لديننا القويم ولعفّة إسلامنا وتقوى أخلاقنا.
قفلة جميلة جداً ملكتْ عليّ كياني فرحاً وغبطة وهل أجمل من تقوى الله والحياد عن اقتراف المعصية!!
والله يغفر الذنوب جميعاً
وقد ذكّرتني هذه القفلة الجميلة بقول الله تعالى{{ ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه السُّوء والفحشاء إنّه من عبادنا المخلصين}} 24 يوسف
لغة النّصّ قويّة وجميلة أسلوب السَّرد شيّق يلوي عنق القارئ ليقف على سُدَّته
ضمّ في مجمله أفعالاً ماضية حركيّة خلّاقة نحو : ( دنت،، همست،، اندهش،، اكفهر فعلين يفيدان (التلوّن والتخيّل )،، ركضا،، نظرا غرقا،، سالت،، خرجا )
تناول النَّص فكرة قديمة بأسلوب مبتكرٍ وحاذق.
ربْط الأحداث كان متقناً ومشوّقاً وقد عمل الكاتب على ثيمته بإخلاص فخدم نصه ووظف مكنته الأدبية بجمالية و حكمة.