بقلم الكاتب زياد مهنى

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

أولا التكثيف؛ النص بلغ قمة التكثيف من حيث عدد المفردات، فبدأ بعتبة قوية الدلالات،
التدليس هو كتم عيب السلعة المباعة، فهو تضليل للمشتري بغرض بيع سلعة معطوبة أو فاسدة بنفس سعر نظيرتها المسلمة من العيوب، والعنوان هكذا يتعالق مع شقي الومضة، بما أن قطع الوعد يُرجى الوفاءُ به فهو سلعة ذات قيمة، وعندما يفسد الانتظار لأدائها فهو قمة التضليل والتدليس.
ومن ثم لا مجال لتكثيف على متن مكون من أربع مفردات؛ فعل متعد والفاعل مستتر ومفعول، ثم فعل وفاعل.
ثانيا؛ التجانس؛ جاءت المفردات بمعانيها في سياق واحد متصل، وحتى يتضح ذلك التناغم لنرى النص معكوسا هكذا؛ في نهاية الومضة هناك شيء يفسد وهو الانتظار الذي يتبع قطع الوعود، ثم يعقب الكاتب على المتن بالعنوان (تدليس) يضع تلخيصا للحدث السردي بأكمله، فإن عدم الوفاء بالوعد في مدته هو عين التدليس، كما قال تعالى في سورة التوبة (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)، فالمدة هي أساس في دنيا المعاملات التجارية والتعاقدية.
ثالثا؛ الانزياح؛ إن كلمة الانتظار كونها تعبر عن مصدر من انتظر، (انتظر…انتظارا، على الوزن؛ انفعل انفعالا) هذا الانفعال (الانتظار) لم يتأت إلا لفعل سابق (قطع وعدا) فهذا الانفعال ليس بالمادة التي تشغل حيزا ملموسا منظورا، فكيف لها أن تفسد؟ والفساد هو تغير سيء يطرأ على المادة لا المعنى، لكن الكاتب أزاح معنى الانتظار من اللامادي إلى المادي، وكأنه يقول أن الانتظار –لطول زمنه- قد تجسد فصار محسوسا ملموسا يعتريه ما يعتري المادة، وهو بذلك يعنى أن المدة الأولى قد تمت، وتعاقب عليها مدة ثانية فتمت، وثالثة فتمت …إلخ
رابعا؛ مساحة التأويل؛ يعبر الكاتب عن إحدى آفات العصر ولازماته الأخلاقية، وقد اختزل فكرته وصاغها في شكل سرد لضمير غائب مفرد، وربما جاء هذا النوع من السرد عاكساً لتأفف الكاتب من هذا المعنى البغيض فلصقه بضمير الغائب، يحاول الكاتب بذلك طرد الخبرة من الذاكرة والتخلص من إيلامها، كونه غائبا عن الحدث مع أنه فاعله يشير إلى انتهاء التجربة، لكنها تركت أثرا سلبيا على نفس القاص فأفرغها للقارئ عساه يحذر من التعرض لمثلها.
ويصح إسقاط معناها على كل تفاصيل الحياة الإنسانية، فكلنا يقرض غيره المال وكلنا ينتظر الوفاء بوعود الناس، كلنا قد قطع له وعد من حبيب أو قريب أو صديق لانجاز شيء ما، كلنا ينتظر الحاكم لينجز وعوده فتطول المدة ولا ينجز، وربما يقطع الانسان وعدا لنفسه بإنجاز شئ في مدة محددة لكنه يخفق، الكل يقطع وعودا والكل ينتظر…هذا كل شيء باختصار.
خامسا؛ المفارقة
لقد بات معنى المفارقة في نصوص الأدب معنى مشوشا مضطربا لدى الكاتب والقارئ وربما الناقد، البعض يتخذ منها ذريعة للتلغيز والإبهام، والبعض يظنها أساسا لابد منه في قفلات القصة القصيرة والقصيرة جدا وأجناس الأبيجراما المقتضبة، والحقيقة أن معنى المفارقة بريء من الإبهام والإلغاز، وحتى الرمزية لها أسس تؤدى في النهاية إلى التلميح من خلال شفرة لها حل في طيات النص، وإذا غاب حل الشفرة تحول الرمز إلى لغز يستغلق فهمه على القارئ.
المفارقة ببساطة هي حدة المنقلب مع نهاية السرد، بمعنى أن السرد يجري في مسار واحد مقنن وسلس، ثم تأتي الخاتمة بانكسار هذا المسار وليس قطعه بالكلية والارتداد للخلف فجأة، وهنا أجاد الكاتب في إحداث هذا الحيد عن المسار، فلم يلجأ إلى مقابلة وتضاد الفعلين (قطع..وصل)(قطع ..رتق)
بل (قطع..فسد) لينقل عقل القارئ إلى الانكسار السردي الذي يبتغيه، الوعد له مدة، والمدة تستوجب الانتظار حتى تتم وتنقضي، وبعدها إما وفاء بالوعد وإما نكث، وبما أن الانتظار قد فسد، فما بالنا بالوعد نفسه، كما قلنا سلفا؛ لقد تجسد الانتظار وطال حتى ناله الفساد الذي ينال كل سلعة تعاقبت عليها عوادي الزمن.

أضف تعليقاً