بقلم الكاتب وسام قصي محمود
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
جرت العادة في أي قراءة نقدية لنص سردي، قصيرجدا أو قصير، أن أنطلق من بعض وصايا بعض جهابدة القصة القصيرة والرواية، وذلك لأضع قدمي على أرضية صلبة تعضدني وتساعدني على إنجاز المهمة، هذه المهمة التي اعتبرها مسؤولية كبيرة، لأنها يتوخى منها سبر أغوار بواطن النص، والوقوف على جمالياته ومواطن القوة والضعف فيه، وانطلق هنا في دراستي من عنوان هذا النص من قول الروائي الشهير كارسيا ماركيز يقول (الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقاريء) فالقاريء هو عصب الحياة في أي عمل إبداعي كيفما كان نوعه، فهو الأمير السحري الذي يحتفى به في الكتابة الإبداعية، وإلا فلمن نكتب؟ وبما أن هذا الأمير المدلل، يحظى بكل هذه الأهمية في الكتابات، فإن الكاتب يمسك به من تلابيبه حتى لا يطلق ساقيه للريح فتبور السلعة، وتضيع مجهودات سدى، وتفشل العملية برمتها، و تبدأ عملية المراوغة من مفتاح النص والذي هو العنوان:
يعتبر مفتاح النص، تلك العتبة القزحية الألوان الجاذبة للقاريء، لان هذا العنوان هو الذي يحدد مصير قراءة النص أو عدم الإقبال عليه، هذا يستوجب من الكاتب الاشتغال على هذه العتبة بدقة متناهية، مادام مصير النص متوقفا على هذا العنوان، خصوصا في عصر العناوين، الأستاذ قصي اختار لنصه الجميل، (جسد متوهج لا تخبو ناره) سأعالج هذا العنوان من خلال مستوى التركيب اللغوي والمعنى، فهو جملة إسمية مركبة، فالأصل في المبتدأ ان يكون معرفة ولا ينكر الا اذا كان الخبر شبه جملة وتقدمت عليه، وهذه الحالة لا تستقيم هنا، وما ورد عندنا نكرة (جسد) و (متوهج) نعت تابع لمنعوته في حركاته الإعرابية ويأخذ مكانه في جغرافية الجملة ، هذا إذن يدفعنا إلى تقدير المبتدأ والذي لن يكون إلا باسم الإشارة، (هذا) وجسد خبر لهذا المبتدأ المحذوف، المتبوع بنعت، ثم بجملة فعلية منفية واصفة، ويكون التقدير (هذاجسد متوهج لا تخبو ناره) أغلبية الكتاب يميلون إلى العناوين القصيرة جدا والتي لا تتجاوز المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل في أغلب الأحيان، لكن حجم العنوان ليس له أية علاقة ببريقه وتأثيره في نفسية القاريء بقدر ما يؤثر فيه المعنى، الجذاب، المثير للرغبة في معرفة محتويات النص من خلاله كما هو الشأن بالنسبة لهذا العنوان، فتوظيف الجسد في حد ذاته بمتابة لسان الحرباء الذي يتمدد لاقتناص، الفريسة مهما بعدت عنه، فهذه الكلمة تجذب القاريء لأنها مؤشر على مجموعة من العواطف المفصح أو المسكوت عنها، فهو مصدر الجمال، والرغبة ، والانبهار، وغيرذلك مما تخلفه هذه الكلمة في نفس لقاريء، ولا يقف الكاتب عند هذا التوظيف فحسب وإنما يتجاوزه الى توظيف كلمة اخرى حبلى بالدلالات وهي متوهج خصوصا عندما تسند إلى جسد، اذ يصبح المسند والمسند إليه أكثر إثارة للمشاعر والحواس ، مادام هذا العنوان يطرق بابا من الابواب المسكوت عنها في الثقافة العربية، فانه سيكون جالبا للقاريء، لسببين يكمن الأول كما كان القدماء يقولون بأن أي غزل يكون لائطا بالقلوب، وأعتقد إن الجملة تحتوي إشارات غزلية، والسبب الثاني ربما إن كل مرفوض مرغوب، وأعتقد إن كل هذه الأسباب مجتمعة ستكون من الحوافز الأساسية التي تدفع القاريء إلى قراءة النص. وتشده للغوص في أعماقه، اختار القاص كلمات عنوانه بدقة متناهية، حتما ستدغدغ نفسية القاريء، جسد كلمة تختلف عن جسم وإن كان المقصود واحدا لكن جسد فيه من الإثارة ما يوقض بعض الحواس في القاريء ويؤجج فيه الغرائز، فالجسد رمز للجمال والافتتان العاطفي عكس جسم الذي لن يتجاوز ماهو فزيولوجي، وأرى أن القاص قد أفشى سر نصه منذ البداية وكانت له الجرأة على الخروج عن دائرة المسكوت عنه، ربما نحن العرب لا نحب التوثيق لأنه يخيفنا سيشهد ضدنا في يوم من الأيام، فعلى مستوى الممارسة فلا بأس لكن على مستوى التوثيق والكتابة فإن ذلك يتعارض مع قيمنا و عاداتنا وكأنهم يقولون مارس كيفما يحلو لك لكن لا تدون ولا توثق ولا تترك توثيقك حجة علينا ويمكن اعتبار هذا الموقف موقف النعامة في الصحراء المكشوفة الأطراف، لهذا كنا نجد أن كل فضح للمسكوت عنه تلفق لأصحابه التهم وفي بعض الأحيان يصل ذلك حد اتهامهم بالزندقة، لحرق المكتوب وإعدام الكاتب، في حين على أرض الواقع، تعج حياتنا اليومية بهذا المسكوت عنه في الفلل ودور الدعارة المرخصة، وما شابه ذلك، إذن لماذا نحارب الآفة على مستوى المكتوب ونتركه ينخر مجتمعاتنا على مستوى الواقع، وإن كان هذا ليس هو موضوعنا، فإن المبدع وسام اشتغل على هذا العنوان بحرفية وذكاء، رغم أنه ورد على شكل جملة مركبة أو جملة كبرى تحضن جملة صغرى، وكل جملة تكاد تستقل بذاتها لولا الربط بالضمير العائد على الجسد المتوهج، فكل مؤشرات الإثارة استعملها المبدع وسام قصي، إنها والله من عجائب الأمور، قصي أزال اللثام عن هذا المسكوت، فالجسد إذن حافز للاثارة ،فيوصف بالتوهج ،هذا الجسد الذي يتوهج، اي يتوقد، يلمع ويضيء وتشتد حرارته، وتفوح منه رائحة العطر، فهذه الكلمة منتقاة بدقة بالغة الأهمية، هذا الجسد لا تخبو ناره، فهو دوما متقد، دوما يلمع دوما، فواح الرائحة، هذه الصورة الايروتكية التي يقدمها الكاتب كعنوان للنص، تثير في نفس القاريء، ذلك التطفل وحب معرفة محتويات النص وتفسيره وتأويله من تحقيق شهوة الإعجاب والدهشة عندما يتفاعل مع ما يجري في النص من أحداث، ويكشف خبايا هذه المساحة الضيقة جدا، والتي رغم ذلك نعتبرها مساحة بلا تخوم، بلا حدود و (واقعية بلا ضفاف)، ما دامت تدفع كل قاريء أن يدلي بدلوه للتفسير والتحليل والتأويل، ولعمري إن القصة الناجحة، تنال هذا الشرف من عنوانها، فالعنوان الذي لا يستفز أسباب القراءة في نفس القاريء، وتثير فيه شيئا من البحث عن الإدهاش والغرابة، لا تعتبر أصلا قصة، وإذا عدنا للمساحة، التي يشغلها العنوان في القصة القصيرة، فإننا نجده يشغل نصف مساحتها، ما دامت عملية القراءة تتوقف أساسا على هذا العنوان الذي يشدنا لقراءة النص شدا، فالمرأة الفاتنة إذا لم تتقن زينتها لا يمكن أن يهتم بها أحد لكن إذا تزينت حد التبرج فإن الكل سيجري لا هثا وراءها، الأمر نفسه بالنسبة لعنوان أي نص كان فإن الاشتغال على العنوان من الأهمية بمكان ،للنص الناجح، والملاحظ أن الأستاذ قصي، قد اهتم بهذا العنوان ونهج فيه الانزياح، أو جمع المختلف من الكلمات وخلق تآلف بينها، وكانه يحفظ القول عن ظهر قلب (أجود الكلام: شدة اختلاف في شدة ائتلاف) فكان عنوانا رائعا محفزا على الغوص في أعماق هذه القصة الايروتيكية بامتياز، أليس النسيب لا ئطا بالقلوب؟!