للكاتب زهير سعود

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

امتدّ الزمن أمامهم بويلاته ومصائبه ، تساءل البطل كيف سيعبرونه وكيف سيتعايشون معه .
جاءت إجابة بعضهم على أنها أمور مقدَّرة من الله ولا مجال لحوادث عشوائية وعلينا التسليم بها ، وقال آخرون هي نتيجة منطقية لمجريات محددة تفرضها قوانين الطبيعة حيث أن إدراك الإنسان لها خاضع لهذه السلسلة المحددة من الحوادث .
البطل ليس عنيدا وبدا لنا أنه يريد ان يقتنع وبالفعل لقد حاول جاهدا وإلا لما كان قرأ الحتمية مرارا وتكرارا ليفسر ما اعتراه من حيرة ، وهنا يخرج صديقه ماركس لينقذ ما تبقى له من ذكاء لم تستطع النظريات المعلّبة أن تفسده ليضعه ويضعنا أمام مفارقة علمية تدحض ما سبقها إنها المادية الديالكتيكية التي نبذ فيها ماركس المثالية المقرونة بالدين والعجزية والانتقادية لاننا ما دمنا نلاحظ فعلا ، ومادمنا نفكر فلا نستطيع أن نخرج من المادية ومن الديالكتيك ( علم القوانين العامة للحركة ) سواء في العالم الخارجي ام في الفكر البشري إنه مظهر ثوري فلسفي يتحرك من اللامعرفة إلى المعرفة .
( آلتهم تحركت للوراء ) إذاً هم لن يستطيعوا التقدم قيد خطوة طالما هم يراوحون في أماكنهم لا بل سوف يعمهمون في الجهالة ولن يكون حصادهم إلا الفشل وهنا تتزاحم الإيحاءات والتأويلات فبينما الزمن يسير إلى الأمام تراهم يعيشون في العصور الحجرية بينما كان الأجدر بهم ان يقيموا علاقات اجتماعية إنتاجية تؤلف الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي يتطابق مع اشكال معينة من الوعي الاجتماعي .
اللغة في النص ساعدت على توتر الحدث وتضافرت مع الفكرة الأساسية لتاخذنا في دوامة الترميز اللذيذة ولتغدق علينا بتأويلات نتكهن بها . فاللغة لم تبتعد عن الأفعال الماضية التي تنسحب من نظريات سالفة لتستقر امام قدمي عصرنا الراهن وتترك النتائج والمستجدات لتقرر مدى صحتها .
فعل ( امتدّ ) وانسحابه عبر الزمن ، فعل ( ركبوا ) ودلالته على رحلة الحياة البشرية والزاد والعتاد والعلم والمعرفة وكل ما يجب ان نحمله معنا في رحلة البقاء ، ( أعدتُ ) هذا الفعل الذي يدفعنا إلى إعادة الأمور بكل المسلّمات والبديهيات المفروضة ، ( خرج ) هو كفعل له استعمالات عديدة أهمها إدراجه في قولنا ( خرج المولود للحياة ) وهنا أتى ليوحي بانبثاق الحل وولادته .
اما العنوان ( حصاد ) فنحن لم نستطع التنبؤ بمعناه إلا بعد ان أنهينا قراءة آخر كلمة في النص لأن الآلة عندما تتحرك للوراء فهذا يعني انه لا يوجد شيء لتحصده هي تجتر نفسها ، ولو كانت الأمور بخير والبذار جيد لكان الموسم وفيرا ولتحركت للأمام إذا هم يحصدون ما زرعوه من خيبات .
الشخصية المحورية هي البطل الذي يتكلم بلسان الكاتب مراقبا مَن حوله وطريقة تفكيرهم والنظريات التي يعتنقونها ، ونلاحظ حذف لاسم الاستفهام ( هل ) في سؤاله ( ركبوا قطارهم ليعبروه ؟ ) مما يدل على قلق وحيرة الكاتب والأجوبة التي تعصف برأسه عن مصيرهم والتي جعلته لا يتقيد ب ( هل ) بل طرح السؤال مباشرة عبر ( فعل ركبوا مع متممات الجملة وإشارة الاستفهام ) وكأن ضمير واو الجماعة هو الذي يضفي ظلالا على تشعب السؤال ويلمِّح بأطياف جماعية وبمواجهات قدرية كثيرة ستواجه المجتمع المتمثل بمجموعة الناس الذين يعتنقون فكرا معينا .
كنت اتمنى لو انتهت القصة عند جملة ( آلتهم تحركت للوراء ) والاستغناء عن ( قال ماركس ) لأن التوضيح لا داعي له فالشيء يُعرَف بنقيضه وطالما أن الكاتب ذكر الحتمية في متن السرود لذلك فالمفارقة كفيلة بأن تعمل عملها ، ولتتركنا نستنتج بأن البديل هو ما طرحه ماركس او لربما يختار القارئ طروحات جديدة دون تدخل مباشر من الكاتب ، ولكن وبطبيعة الحال النقيض المباشر والأقوى للحتمية والذي نستنتجه من القصة هي الآراء المادية الماركسية بوصفها الحيِّز الأوسع والأعمق للتطور ولكونها نظرية النضال الطبقي عبر خطوات سير واقعي لهذا التطور الذي يتميّز أحيانا بقفزات وحوادث وثورات في الطبيعة وفي التفكير البشري . ولكن طبعا يبقى النص ملكا لإبداع الكاتب ويخضع لوجهة نظره أولا وأخيرا .

أضف تعليقاً