للكاتب حسن عبد الحسين مثنى
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
مقدمة
ومضة حكام بكلماتها الثمان تشكل صورة فنيّة تعكسُ على صفحات الوجوه الكالحة التي خلت من ماء الحياء والذي يميّز إنسانيتها عن حيوانية الصور الأخرى لنفس النوع :صوراً بشعة ويكاد القلب يتفطرُ ألماً من مصيرٍ خطّه العرب بأنفسهم لجهلهم ولعنجهيتهم وغير ذلك من الظّروف التي ربما بعضها هو خارج إرادة الاختيار. هؤلاء كانوا نوعاً مختلفاً في مخيلة القاص؛ فالإنسان حيوان ناطق كما قيل في علم المنطق، والناطقية فسّرت بالإدراك وبذلك تميّز عن باقي العجماوات الأخرى من فصيل الحيوان ،ولعل الناطقية التي يمتلكها النوع الإنساني إضافة لما أودع الله به من مكملات إنسانيته كالعاطفة والرأفة والصدق وكلّ مكارم الأخلاق هي التي بمجموعها تميّزه كإنسان ناطق.ولذا تطالعنا في هذه الومضة ثلاثة عناوين بمجرد أن يتلفظ كلماتها الإنسان يدرك بما لديه من ملكة الإدراك: أن من يتحدث عنهم القاص هم ليسوا من فصيلته وإن كانوا يتميّزون بنفس المؤهل الذي يمتلكه.
مفاصل الومضة
عتبة العنوان
((حكام)) كلمة جاء بها نكرة لتدلّ بمعية المقدّر معها على معنىً عام وكلّي وله مصاديق كثيرة في عالمنا العربي طبعاً.حكّام تندرج تحتها كلُّ ألوان الفساد بمعناه الأعم من ظلمٍ وسفك دماء وتهجير وما شابه ذلك من جرائم.توصيف العنوان كان اختياره جيّداً ؛فبمجرد أنّك تقرأ لفظة حكّام يتبادر إلى ذهنك حكّام بعض الدول العربية إن لم نعمم الرؤية على جميع الوجوه التي سقط منها ماء الحياء.
مقدمة الومضة
((سقط ماء وجوههم)) لغة مجاز عقلي بامتياز فالقاص أسند ماء الحياء لتلك الوجوه بالعرض والحقيقة هي إن ماء وجوههم أسقطها أصحابها من خلال أفعالهم المشينة ،إذا هي رمزية أراد منها القاص غير ما أعلنه من الألفاظ وهي لغة كنائية جميلة.
النتيجة
( امتلأت صدور الرعية( و هنا لغة مجاز عقلي أخرى ؛بإسناد الفعل امتلأت لصدور الرّعية ،ولعل القاص يساير اللفظ القرآني والمعاني القرآنية الشريفة بنسبة الفعل للصدر من باب المجاز ليس إلا قال تعالى((رب اشرح لي صدري)طه/25 وقوله تعالى(وحُصّلَ ما في الصّدور) العاديات/10 وكذلك قوله تعالى (ولكن تعمى القلوبُ التي قي الصدور) الحج/ 46. فالملاحظ كما هو واضح نسبة الفعل أولاً و بالذات للصدور وثانياً وبالعرض للعقل البشري وهو المطلوب في كلمات العرب … إذا النتيجة الطبيعية لأفعال الحكّام الظلمة الذين باعوا شرفهم وحياءهم للشيطان ولا شيطان هو أمكر منهم وأظلم وهذا ما أثبتته الوقائع وأشارت له الأفعال القاسية لهؤلاء المردة،النتيجة هي ردّةُ فعلٍ طبيعية لصدرٍ تحملت الكثير من ظلم هؤلاء وكلنا يعرف القانون الفيزيائي لكلّ فعلٍ ردة فعل مساوية وربما كانت أقوى كما رأينا من ثورات الربيع العربي والمظاهرات المستمرة والهجرة الجماعية لشعب سوريا والعراق ،كلُّ ذلك من حكّامٍ مردة هم أصبحوا وبالاً على شعوبهم وظلماً لا يُحتمل.
لغة القاص
أ- عبر بوابة الفعل وحركيته ودوام استمراريته كان الحدث المتصاعد إلى قمة الهرم المأساوية والتي جسدتها الصورة التي تحيط بالومضة الرائعة للقاص حسن عبد الحسين مثني، وكذلك براعة التعبير في بلاغة الفعل الماضي.
ب- الومضة قائمة على ثنائية الضدّ كما يقولون أي الفعل وضدّه كما لاحظنا ذلك في سقط ماء …امتلأت صدور… وبين هذه الثنائية المتضادّة والتي تمثل صورتين سيميتين كانت بقية الصور الرائعة.
ت- لم يكن هناك فسحة لإقحام كلمة أخرى في النتيجة لوضوحها وكذلك لوجود التوازن الكمّي لو صحّ التعبير في ألفاظ الومضة في المقدمة والنتيجة.
ث- لغة الانزياح كانت رائعة منذُ بداية القاص برصّ ألفاظه المتناسقة.
ج- الاختزال للمعاني الرائعة بألفاظٍ قليلة وهذه قمة البلاغة كما يعبرون (( البلاغة هي الإيجاز))
ح- فقط كان على القاص تحريك الومضة رغم وضوح الموقع الإعرابي لكلّ لفظ إلا إن التحريك يعطي جمالية شكلية رائعة للألفاظ.
خ- التزاوج الجميل بين الألفاظ وصورة الطفل الغريق رحمه الله والذي ستبقى صورته وصمة عار في جبين هؤلاء الحكّام والذين نبذتهم كلمات القاص حسن عبد الحسين … تحياتي له….