للكاتب أحمد الجيزاوي
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
منذ البداية أجد نفسي مشدوداً لتناول نصوص الأستاذ \ أحمد الجيزاوي للأسلوب المتفرد الذي يميزه، وعندما قرأت هذا النص ضمن برنامج “الثلاثة أحبهم” جذبني بشدة بداية من العنوان (حلق عالياً) الذي جاء بانزياحات عديدة.. كلها تحمل معان مركبة كما تخيره، ويثير التساءلات أيضاً…
فمن الذي حلق؟.
ولما حلق عالياً؟.
فهل هو من الطيور الجارحة التي تستطلع المشهد أسفلها لتحدد الفريسة؟.
أم أنه تحليق للتمتع برؤية المنظر بالكامل، والارتفاع عن المنغصات التى تملأ الأرض؟.
كلها أسئلة تثير خيال المتلقي، ونجد “الكاتب” يبدأ “الإستهلال” بجملة لم أستطع تصنيفها ؟.
هلى هي تقريرية؟.
أم إجابة على سؤال لم يطرح؟.
أم إنها مدخل مختلف يميز “الكاتب” الذي يحسن اختيار جمله بعناية؟.
أم إن تمكنه الذي لاشك فيه من أدواته الأدبية الضاربة في هذا الجنس على وجه التحديد دعته إلى ذلك؟.
غير إجادته في التقديم والتأخير للجمل بمهارة؟.
عموماً لقد إستطاع “الكاتب” تحريك كل هذه الأسئلة في وجدان المتلقي، وأخذه من نفسه، وربطه بخيط حريري حتى يلتصق بالنص…
((أمي تريدني أن أتزوج اليمامة البنية، وأنا أحب اليمامة الداكنة.
منذ خرجت من البيضة، وأنا أراقبها تطير وتتراقص من شرفة إلى شرفة ومن شباك إلى شباك، فقد كانت أكبر مني ببضعة أسابيع.)).
أسلوب سهيل من خلال لغة سلسة ورصينة.. يرصد بها “الكاتب” الشخوص، ومنازل الصراع بين “البطل” وأمه على إختيار العروس.. غير أن هذا ليس لب الفكرة والصراع.. بينما السرد المتنامي والعروج على مناحى كثيرة، ورصد العديد من القضايا الإجتماعية هي محور ومناط الفكرة، وما تحمله من إسقاطات تبعث فينا إلتفاتات مهمة يريدنا التوقف عندها، وهذا أسلوبه المميز.. كمن يأخذ التلميذ إلى آفاق النجاح بلغة تربوية لا يدركها المتلقي.
\\ أمي تريدني أن أتزوج اليمامة البنية \\ وأنا أحب اليمامة الداكنة.
لنرى التشبيه المحبب على أسماع المتلقي .. العروس = يمامة، والخلاف بينهما على اللون.. والدلالة أن الإناث كلهن يمامات محببات للرجال.
ثم يضعنا “الكاتب” في منمنات سرده الهين السلس لبديات “البطل، والبطلة” كعامل تخيره بعناية فائقة ليصب في وجداننا ما أراد صبه…
\\ منذ خرجت من البيضة وأنا أراقبها \\ تطير وتتراقص من شرفة إلى شرفة \\ ومن شباك إلى شباك \\ فقد كانت أكبر مني ببضعة أسابيع.
فتلك الجمل الثانوية “العرضية” في السرد لا تبتعد كثيراً عن الجمل “الأساسية” التي تبني عليها القصة القصيرة جدا، وغيرها.
ينقلنا “الكاتب” رويدا رويدا إلى ما يريده إرساله إلينا مغلفاً في ورق سلوفان…
((كان عشهم فوق جرس الكنيسة، وعشنا فوق المئذنة المقابلة، وكلما ارتفع صوت الأذان أو دق جرس الكنيسة نطير معاً لنرقص على الصوت.)).
ونلاحظ هنا أسلوب الجمع ـ عشهم \ عشنا ـ
وأسلوب التقابل ـ جرس الكنيسة \ المئذنة المقابلة ـ
ارتفع صوت الأذان \ دق جرس الكنيسة ـ
فما بال مجريات القصة بهذا المنعطف؟ الذي تفوق “الكاتب” على نفسه، واستطاع تضفير هذا النسيج الذي يمثل {السداة} في القماش.
والدلالة القاطعة لهذا.. هو.. نطير ونرقص معا على الصوت!!
ونلاحظ إفراد كلمة (الصوت) والبعد عن التثنية أو الجمع، وما يبثه من قبل “الكاتب” لِمَ أراد توصيله من دلالات أخري.
ثم ينقلنا “الكاتب” البارع إلى مبديات منازل الصرع.. وصولا “للعقدة”…
((اصطحبتني سراً في رحلة طيران طويلة إلى شجرة العنب البعيدة، كانت تطعمني العنب بمنقارها وأنا أختلس القبلات بين حبة عنب وأخرى، حيث كانت القبلات تفوق العنب في حلاوته، هناك عرفت الغناء لأول مرة.
وعاد كل منا إلى عش أمه بنشوة الحب الجديد.)).
ومن هذا المقطع يعود لنا (أحمد الجيزاوي) الذي نعرفه وأسلوبه الغارق في الرمزية العميقة التي تميزه، ونحاول تفكيك المقطع، وتوسيل مراده إن استطعنا…
\\ اصطحبتني سراً في رحلة طيران طويلة إلى شجرة العنب البعيدة.\\
هل اليمامة بعدما قوي جناحاه هي التي اصطحبته إلى شجرة العنب البعيده سراً؟.
دلالة “اليمامة” هنا تعني:
ـ “العروس” الذي يريد الزواج منها؟.
ـ أم الوطن؟.
\\ تطعمني العنب بمنقارها \\ وأنا أختلس القبلات بين حبة عنب وأخرى\\.
ـ وهل هي الأم ؟.
ـ أم الوطن ؟.
* الدلالة القاطعة (النتيجة).
\\ القبلات تفوق العنب في حلاوته \\ عرفت الغناء لأول مرة \\عاد كل منا إلى عش أمه \\ بنشوة الحب الجديد.
* المغزي.
نقلة نوعية جديدة تواكب تطور الأحداث.
ويستمر “الكاتب” في البناء السردي المتنامي في رصد “عقدة” النص …
((في اليوم الذي صوب الصياد بندقيته إليَّ جرحني جرحاً سطحياً وخسرت بضع ريشات من جناحي، رغم ذلك كنت سعيدا يومها لأني علمت بحبها عندما رأيتها تبكي من أجلي.)).
ولب الصراع هنا يبينه “الكاتب” في محاولة (يد الغدر) من قنص هذا العشق، والعلاقة أبناء العشاق…
\\ صوب الصياد بندقيته إليَّ \\ جرحني جرحاً سطحياً \\ أتت على ريشات من جناحي .
لنرى الصورة الحكيمة التي صورها “الكاتب” بقوله:
صياد ـ جرحني ـ جرح بسيط ــ خسرت بضع ريشات، وهو تأكيد أن المشكلات التي تلفنا من إرهاب أسود ما هي إلا زوبعة في فنجان، وسريعاً ما تزول دون أن تترك فينا أثر.
* ودلاته.
\\ علمت بحبها \\ عندما رأيتها تبكي من أجلي .
وإن كنت أعترض على كلمة (تبكي) وكان على “الكاتب” البحث عن كلمة أخف وطأة من البكاء مثل : تأسَ
ثم يأتي “الكاتب” بـ “قفلة” صادمة.. تعيدنا إلى التخوف الذي حل بنا بعدما تفتحت أمامنا النوافذ والأبواب لإستقبال الشمس الدافئة التى تعوضنا عن سنين الحرقة والبرد…
((رفضت أمي أن أتزوجها دون إبداء السبب، يبدو أننا سنذهب لشجرة العنب ولا نعود.)).
ونلاحظ تحديد “الكاتب” أن “اليمامة” هي الأم التي هي الوطن.
رفضت أن تزوجني “يمامتي البنية”، فلا محالة من العودة إلى شجرة العنب سراً.. نختلس القبلات غصباً.
تحياتي للأستاذ \ كفاح قواس.
والتحية الخاصة للأستاذ \ أحمد الجيزاوي
وأمنياتي الصادقة إلى صفحة [لغتي الخالدة والأستاذ\ بدوي الدقادوسي .
والله ولي التوفيق