للكاتب أحمد باشا
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
من الثابت أن تناول (القصة القصيرة) يختلف عن تناول (القصة القصيرة جداً) من حيث التكثيف، وتقطيع الجمل، فالقصة القصيرة تتسع أمام المبدع وتتيح له الفرصة في التأسيس للبداية، ورسم ملامح الشخصيات، وكذا السرد المبني على المجاز والبيان والبلاغة، وحلاوة اللغة حسب البيئة التي تدور فيها الأحداث والشخوص، والتمسك بالوحدة، للحدث والشخصيات، وصلاً إلى منطقة الوسط التي تحمل “العقدة”، ومن ثم العمل على حلها، حتى وضع النهاية التي تحمل النقطة التنويرية المراد الوصول إليها من خلال قصته.
ولو طبقنا هذه المعايير على القصة التي بين أيدينا تحت عنوان (صحوة) فنجد انزياحات العنوان محدد بمعناه، فالصحوة هنا ضد الغفلة.. فهيا بنا نطالع النص، ونتحقق من تحقيق هذا المعنى..
نجد “الكاتب” أخذ الوقت الكافي للتأسيس لوضعنا داخل العمل…
(كان لزخّ إعلامهم المهيمن سيطرة مطلقة على تفكيري، لم أُخضِع نفسي لمحاكماتٍ كما أفعل بالعادة، بل انقدتُ كمُنوَّمٍ مغناطيسياً..
تناسيتُ كلَّ جميلٍ لكم، كيف استُقبلنا عندكم كالأهل وقت شدّتنا حين أنكرنا الجميع ..!! ولكنّه الإعلام الذي كبّلنا بألسنة الحقد الأعمى ..
نُظّمنا ضمن مجموعةٍ تديرها غرفة عمليات في دولةٍ مجاورةٍ.. لا أخفيكم سراً.. أنا ممّن أشك بعمالتها للأجنبي.. ولكن المال والإعلام أنسياني ذلك.)
من اللحظة الأولى اشتبك “الكاتب” مع النص، وأخذ دور “البطل” والراوي، زمن سياق السرد نستطيع تحديد شخصيته، بالإضافة أنه كان فريسة للإعلام المهين لدرجة أنه سيطر حتي على تفكيره الذي يفترض أن يكون حراً.. مستخدما السرد الوصفي وهذا لمقتضيات فنية وأدبية يتطلبها “النص”، واصفاً نفسه كالمنوم معناطيسياً، وأعطي لضميره أجازة حتي تناسى المحاكمات التي كان يقيمها مع نفسه حتى يقومها، وأمام سطوة الإعلام والمال كل هذا، فانضم إلى مجموعة تديرها دولة مجاورة مع علمه المسبق بعمالتها لدولة أجنبية، مع اعترافه بجميل استقبال أبناء جلدته عندما تنكر لهم الجميع، وحسن معاملتهم.
و نحن نؤكد على اختيار “الكاتب” في هذا المقطع ((سيطرة الإعلام وسطوة المال عليه بإرادة البطل)).
ثم يتابع “الكاتب” مواصلة السرد الآخاذ للتوطئة لإكمال إطار “البداية”…
(كانت مجموعتي تضم (مجاهدين) من مختلف البلدان الأجنبية والعربية، والسوريون فيها كانوا قليلي العدد، يقودنا شيخا خليجيّ اللهجة.. مهمتنا كانت (كما سموها) تحرير نقطة عسكرية أقصى الجنوب السوري، هجمنا بالمئات، قاوموا ببسالة نادرة.. قتل الكثير من أولئك الذين يسمّون أنفسهم المجاهدين ولكن بالنهاية نجحنا (بتحرير) النقطة وأسرنا من فيها؛ ولم يكن عددهم يتعدى العشرة.. أخذنا الجنود الأسرى للمحاكمة ..)
ونلاحظ توغل “الكاتب” في السرد الوصفي التفصيلي، وكأنه يؤرخ لهذه المعركة، ويمكن تجاوز تلك النقطة لغياب المعلومات المؤكدة، وغياب الكتابات العسكرية، وهذا غير مستحب في تناول العمل الأدبي.
ولنقرأ السرد:
كانت مجموعتي تضم (مجاهدين) من البلدان الأجنبية والعربية // السوريون كانوا قليلي العدد // يقودنا شيخ خليجي // مهمتنا تحرير نقطة عسكرية// هجمنا بالمئات // قاوموا ببسالة // قتل الكثير ممن يسمون أنفسهم المجاهدين// نجحنا بتحرير النقطة // أسرنا من فيها // عددهم يتعدى العشرة // أخذناهم للمحاكمة …
وهنا لابد لنا أن نطرح سؤالاً: ما الفرق بين (مجاهدين) ومن يسمون أنفسهم المجاهدين؟؟
مع إقرار”البطل” في المقطع الأول أن انضمامه للقتال (التحرير) كان بسيطرة الإعلام وسطوة وحبه للمال؛ وهذا ينافي منطوق ووصف المجاهدين، وكان يمكنه الهروب من الصفة المؤكدة بـذكر كلمة (المقاتلون)، وإن سلمنا بصدق وصف الطرف الآخر (يسّمون أنفسهم المجاهدين).
مع تأكيده تنفيذ مهمة بقتل وأسر ما تبقى منهم، وتقديم للمحاكمة، وهي تمثل بداية ذروة القصة “العقدة”.
ثم يستطرد “الكاتب” في سرد مجمل “العقدة” التي تمثل نهاية الوسط …
(حُكِمَ على أعلاهم رتبة – وقد كان شاباً يافعاً تبدو عليه ملامح الثبات ورباطة الجأش – بالركل حتى الموت، والثاني بالحرق، والبقيّة بالذّبح بسكين متثلمة.. نعم سيدي، هذا الحكم بعد أن نفّذوه بحضوري؛ صحّح بوصلتي ورسّخ قناعتي بما كنت أشك!
وجمتُ مشدوهاً أحاكم نفسي أولاَ، وزخّاتٌ من التساؤل تغسلني..!! أي ثورة هذه؟ وأي جهاد هذا؟ وأي تحرير هذا؟.. زفر زفرة حزنٍ وألمٍ وتابع:).
وأمام الأحكام التي أصدرتها بالقطع المحكمة العسكرية، برَكل أعلاهم رتبة حتى الموت، والثاني بالحرق، والبقية بالذبح بسكين فاقدة خاصية النحر.. تنبه، وعاد يعمل عقله فيما رآه بعين اليقين.. عاد يصحح بوصلته، ويعيده إلى شكه، ويحاكم نفسه، وينطلق لسانه بالأسئلة، وكأنه يريد “الكاتب” لنا عبثية ذاك الجهاد تحت راية ما يسّمى حرب (التحرير)، وهي تمثل “عقدة” القصة، ونحن معه أيضاً فيما حدده، ولننتظر معه كيف يسير باقى القصة.
ثم يبدأ “الكاتب” في تناول مرحلة حل “العقدة”…
ونجد “الكاتب” سردها في ثلاث فقرات متوازية؛ مبرراً الغفلة التي دخل فيها طواعية، مع إقراره منذ البداية …
= الفقرة الأولى:
يا سيدي..!
// لن أنسى تلك القرية التي اجتاحوها // لم ينجُ منهم شيء .. // حتى الأجنّة طالها غدرهم // أذكر تلك المرأة الحامل التي بقروا بطنها وتلذذوا بذبح جنينها …
= الفقرة الثانية:
يا سيدي..!
// رصاصاتي التي تعمّدت إطلاقها طائشة// تمنيت لو استقرّت في صدورهم// ها أنذا بعد محاولاتٍ عديدةٍ استطعت الهروب والوصول إليكم.
= الفقرة الثالثة:
يا سيدي ..!
// الآن ألتمس أن تصفحوا عني// أعدكم بأن أكون جندياً وفياً لوطن المحبة سورية// نقاتل معاً هؤلاء الأغراب الشياطين.
ونلاحظ الشيء وتبريره غير المستساغ مع المنطق، وإن كان يحمل البلبلة التي تكتنف المرحلة، وغيبة الحقائق الدامغة التي لم يفرج عنها التاريخ بعد، لذا جاءت النهاية على نفس النهج السردي…
(رَبَّتَ القائد – الذي كان يستمع مطمئناً – على كتفه .. وأمر بأن يُكرّم و يُعاد له سلاحه.)
وهي نهاية قلقلة أيضاً، وليس عندي تفسير لوضع جملة بين شرطين.
خالص تحياتي وتقديري للأستاذ / أحمد الباشا.. متمنياً له التقدم دائماً.
والله ولي التوفيق.