للكاتبة مريم بغيبغ
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
الكثير من الأمم فوق هذه الأرض التي كانت أراضيها المحتلة، تحررت من نير الاستعمار، بعد أن قدّم خيرة شبابها أجمل و أروع التضحيات،فرتوت تلك الأوطان من دماء هؤلاء الشباب، و كان ثمنها هو تاج التحرر والاستقلال.
لكن بعد هذه التضحيات العملاقة و التحرر،دائما أو غالبا ما نرى ونلاحظ من خلال تاريخ الأمم،وجود جماعة سرية نعمل في الخفاء،و تتدخل في الوقت المناسبة بعد تخطيط محكم لقطف ثمار تلك الحرية، بعد أن تزيح هؤلاء الذين ضحوا بالغالي و النفيس من أجل التحرر و الحرية، و تجعلهم في الهامش،و لا دور لهم إلا النظر بحسرة، و لا يحق لهم ابداء الرأي، و إذا أرادوا التدخل، يُستعمل ضدهم كل أنواع السياسات من قمع و تنكيل، و في بعض الأحيان يصل الأمر إلى استعمال السلاح، فتزهق أرواح جديدة و تُراق دماء أخرى، وهكذا تقع تلك الأوطان المحررة في حلقة مغلقة، فبعد طرد الاستعمار الأجنبي يحل محله ذلك الاستعمار الداخلي من بني جلدتهم، ليجلس على كرسي السلطة و على وجهه قناع جميل يحمل أسماء أخرى كالوطنية و الشرعية، التصحيح الثوري …الخ من شعارات رنانة و جوفاء، و احتمال كبير أن يكون من نسل ذلك الاستعمار المطرود، أو يحمل في جوفه بذور فكره المدمرة أو يكون من أتباعه قلبا و قالبا.
النص فيه ايحاءات كثيرة حول هذا الكلام المذكور أنفا، فقد تمكنت صاحبته بمهارتها الأدبية و أوداتها الإبداعية، من تكثيف النص بحيث يلمّح فقط دون أن يصرّح، و يشر بلا مباشرة إلى هذه المعاني و غيرها، و استعملت في ذلك خيالها الرائع الذي يجعل القارئ يفكر و يطرح السؤال،فتثير في أعماقه تلك العواطف النائمة الراكدة .
فقد تخيلت أن أحد هو الذين ارتوت الأرض من دمه الزكي، أنه عاد إلى الحياة من جديد ليرى و يتفقد الأمانة التي تركها للخلف الذي خلفه من بعده، فتعجب و أصابه الذهول من هول ما اطلع عليه و ما شاهدته عيناه التي لا تكاد تصدقه، فقد جعلوا ذلك النصب التذكاري الذي لا يشبهه تماما لا في الظاهر و لا في الباطن، فقد زيفوه و شوهوا المبادئ التي مات و ضحى من أجلها،و من أجل أن يعيش الشعب شامخ الأنف و الأمة حرة عزيزة و مكرمة، زيادة على ذلك التشويه المرعب، رأسه الذي جعلوه منحني إلى الأسفل بعد أن كان مرفوعا و شامخا كالجبل إلى السماء و هنا اشارة رائعة إلى تغير قبلة ذلك الرأس، بأن جعلوه يستقبل الأعداء أو الاستعمار الذي حاربه من قبل و هو على قيد الحياة،و في كلمة رأس تلميح إلى الأفكار أو الفكر التحرري الذي ناضل من أجله.
(أطبقوا فمه) تشير إلى سياسة تكميم الأفواه و بتر لسان الحق الذي يعبّر عن ذلك الفكر التحرري التنويري، الذي يحمله ذلك الرأس الذي جعلوه منحنيا حين نصبوا له ذلك النصب التذكاري،و في الصورة هنا رمزية عن واقع حرية التعبير المزرية،و هكذا مُنعت تلك الشعوب من الحديث بذلك الفكر التحرري و لا التحدث عنه و أن لا يستعيره للنهوض من جديد بعد تلك الكبوة.
(ثبتوه بالإسمنت) و قد ثبتوا ذلك النصب التذكاري برأسه و فمه بالإسمنت المسلح، بمعنى لا و لن يتكلم و لن ينطلق في النهوض من جديد من تلك النكسات المتكررة التي تتخبط فيها الأمة فقد جمّدهم ذلك ذلك الإسمنت بما فيه من صمت و بكم.
( أزعجني مكب النفايات بجانبه) هي خاتمة النص التي جعلته مدهشا،لأننا نرى فعلا في واقعنا تلك النصب التذكارية تحفها القمامة، و في بعض الأحيان تشبه الزبالة العفنة، و فيها إسقاط على الزبلات التي تزخرف الفكر النيّر من جهل و ظلامية و انحرافات .
العنوان (عائد) موحي جدا، يجعل القارئ يتساءل من هذا العائد ؟ و لماذا عاد؟ ما الذي يبحث عنه؟ و الجواب مشفّر من خلال السرد القصصي المكثف، و ما على القارئ الحصيف إلا فكه، و هو عتبة جميلة لولوج معاني النص .
و النص مكثف جيدا دون الاخلال لا بالمعنى و لا بالسرد القصصي، ويحمل في طياته ايحاءات جمة تدل على خصوبة خيال و حسن توظيف الرمزية بصور بلاغية حسنة الصياغة بليغة المعنى عميقة المغزى أصابت جوهر المعنى في الصميم.
المفارقة تتمثل في خذلان و خيانة بعض من عناصر الأمة لدماء الشهداء التي سقت شجرة الحرية، بشحذ فؤوسهم لها لأغراض داخلية من جهة و لأغراض خارجية من جهة أخرى.
وخير ما أختم به هذه القراءة، هذا القول :
( الثورة يخطط لها العظماء، يصنعها الأبطال، و يستفيد منها الجبناء ).