للكاتب عثمان عمر الشال

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

مدخل عام:
اتحسس جسد العتمة خارج البيت ،يثيرني بريق نور يخطف بصري ،ييستهويني يأخذ مني القلب ،ويسلب مني النفس والنفس ، أتبعه ألهث وراءه ، كلما ازداد وضوحا ازداد بعدا عني ،فأجد وأكد لأصل لمصدر هذا البريق الذي يخطف الأبصار ، تنتهي المغامرة ،ماذا اكتشف ؟! لم يكن ذلك إلا خنفساء ليلية تضيء ،وتومض و تصدر بريقا ذهبيا، لو عرفت مصدر هذا البريق لما أتعبت نفسي !
كانت تلك قصتي مع قصة القاص عثمان عمر الشال ،استهوتني كقاريء من أول كلمة إلى آخر كلمة . فأقع في وهم الحشرة الليلية التي تومض ،هذا البريق هو الذي يرغم القاريء على قطع الفيافي والأحراش والتحليق مع المبدع ليصل الى مصدر ذلك البريق الجميل فيصدم بالقفلة المفاجئة ويسدل الستار ويضع اليد على القلب !.

العنوان والبداية الاستهلالية:
إن القصة الجيدة هي التي تنجدب إليها من أول كلمة إلى آخر كلمة وهذا ما يستهوينا في هذه القصة (عزف منفرد) ، من البداية الاستهلالية يزرع القاص في أنفسنا نوعا من الدهشة والتوجس ويشدنا إلى الماضي إلى ما تربينا عليه في حكايات الجدات ( بلاد بعيدة ) رمز لكل ماهو غريب ومدهش ، تركيب( خرافي ميتولوجي) يتخلل كل أنماط التفكير الشعبي، لتحرير المتخيل الشعبي ، فكل الحكايا والخرافات تركز على ( قديم الزمان / بلاد بعيدة )! القدم والبعد أيقونة الزمكان الشعبي ووحدة التفكير البشري .
القاص عثمان عمر الشال وظف هذا الموروث الشعبي بحرفية فائقة وترك خيال القاريء يتوهج لتخيل هذه البلاد البعيدة ، لأهداف كان على وعي تام بها ويدركها حق الادراك ، فكل ما هو بعيد يثير الدهشة والغرابة ، والقاص يعرف ما يمتع زبونه (القاريء ) . ( فجلجامش صارع الوحش خمبابا في غابات الأرز البعيدة ) فالمثير للاندهاش لائط بقلوب القراء شأنه في ذلك شأن النسيب في الشعر العربي القديم ، فالشاعر كان عندما يريد أن يأسر انتباه القاري ء ويشده إليه ، ييكي الأطلال ثم يشفع ذلك بغزل رقيق شفاف ، يستهوي القلوب ، فيقول النقاد “إن النسبب لائط بالقلوب ” أليس هذا هو ما تستحوذ به كبريات الشركات على جيوب المستهلكين ، عندما تضع لوحة إشهارية لفتاة شبه عارية ، لبيع منتوجات عطرية ، أليس هذا لائطا بالقلوب ؟! ،ففي الحكايات شد الانتباه يتوقف على غرابة البداية الاستهلالية ،فبمجرد ما تسقط جملة( بلاد بعيدة) في أذن المتلقي ، يغوص في بحر الخيال الجامح باحثا عن المتعة التي لن تخرجه منها إلا النهاية ، وهذا هو ديدن نجاح الكاتب وعصب تفوقه ، فتحقيق هذا المبتغى هو مقصد كل كاتب ، أن يستطيع السيطرة على القاريء ، وإحكام الطوق عليه حتى ينتهي من القصة بأكملها ، وأعتقد أن الأستاذ عمر الشال ، قد فطن لهذه اللوحة الإشهارية التي جعلتني أنا شخصيا كقاريء أتخيل نفسي سأحظى بالتمتع بأحداث غريبة في قصة غريبة ، عنوانها (عزف منفرد ) وبدايتها (بلاد بعيدة ) وإن كان هناك نوع من التنافر بين العبارتين ، كانتا مفتاح النجاح بالنسبة لهذه القصة وبدون منازع ،( عزف منفرد ) هذا له علاقة بالموسبقى لكن ما موقعه من النص هنا ؟ طرح هذا النوع من التساؤلات ، يجعل القاريء يعمل على توظيف مخيلته لبناء الأحداث تتجدر الرغبة في نفسه ، وتكون هذه من علامات سيطرة الكاتب على القاريء وشد انتباهه ، واجباره فنيا على الغوص في أعماق أحداث القصة ،فيكون الأستاذ عمر الشال قد حقق هذه المهمة الأولى بنجاح ،
نجاح القصة متوقف على القبض على القاريء ، يقول كابريال كارسيا ماركيز : “الامساك بأرنب أسهل من الإمساك بقاريء ” .

مكونات النص الأساسية:
هناك من كتاب القصة القصيرة ، من يشتغل على الجماليات الفنية للنص ، وإهمال المضامين والمحتويات ، لكن التميز في الكتابة يفرض التوفيق بينهما معا ، فلا محتويات بدون أشكال ولا أشكال بدون محتويات وأظن انه
لا يجب تغليب هذا عن ذاك ، والقاص عمر الشال ، أجزم بأنه توفق إلى حد بعيد في التوفيق فيما كان يسميه النقاد القدماء اللفظ والمعنى ، فقد اشتغل على اللغة والتقنيات الفنية كما سنرى في هذه المقاربة النقدية ، كما اشتغل على المحتويات الهادفة ، عمر الشال يحفظ عن ظهر قلب ، حسب اعتقادي البيت الشهير لأبي
العلاء المعري والذي يقول فيه :
لما رأيت الجهل في الناس فاشيا ^^^^^^^^^تجاهلت حتى ظن أني جاهل ^
السارد يجد نفسه في بلاد بعيدة ، من حيث تنافر الطباع البشرية والجو العام الذي تتسم به هذه البلاد البعيدة والتي كانت من أسباب فقدانه التركيز ، وحيرته وعدم قدرته على الانصهار في بوثقة هذا المجتمع المبني على الفساد والرياء والكذب ، هذا المجتمع الذي فقدت فيه الأشياء قيمتها وبريقها وفقد فيه الإنسان قيمته كإنسان ، حيث خيم العقم الفكري و تفشي الجهل الذي أجبره على التجاهل ، ونهج سياسة المتصوف الذي يفضل الهروب السلبي خوفا من أن يصاب بعدوى الجهل المتفشي في الناس ،فالإقصاء الذاتي من مجتمع متخلخل القيم ربما كان الحل الأنسب ،للسارد للخروج من هذه الدائرة المتعفنة التي يعرف ما يجري فيها إلى حد معرفته حتى بالعورات النسائية والرجالية .
هذا يعني أن معرفته بخبايا هذه المدينة البعيدة أقل بكثير من معرفته بما يوجد من فتات في معداتهم ، ورغم ذلك يفضل اقصاء (حوار الطرشان من اهتمامه ) ويفضل (الانزواء الصوفي ) لكن إذا كان بإمكان الصوفي الهروب السلبي من هذا البحر المتلاطم الأمواج ممن ضاعت إنسانيتهم وفقدوا وازعهم الديني الذي تصدح كنائسه ومآذنه في كل مكان من الأرض ، فهل بإمكان هذا الهارب ، الهروب من نفسه من داخله الذي كلما تعمق في فكرة غاص في أعماق هذا الداخل المتخن بالجراح ،
يغوص في هذا الداخل المتأزم باحثا عن أسباب أزمة الضمير البشري في عمق
التاريخ ، العربي المتقلب بين الانكسارات والانتصارات وإن كانت أقل ما يذكر ،
مركزا على توظيف شخصيات تاريخية اختلفت مراحلها في الأمة العربية .
الأمكنة والأزمنة خشبة مسرح ، عدم إتقان الأدوار يعود للممثلين وليس لمكان
أو زمان الثمثيل ، هذا الصراع الداخلي يخلق أزمة للسارد أكثر من صراعه مع
الخارج ، يجعله يعيش فوق حديد ساخن ،فصراعه الداخلي يوجهه بركان طموح
غاضب ، من ماضي واقع متعفن وحاضر مجتمع متفسخ ، ومستقبل غامض ، الله الأعلم به ، مادامت الغربان أنبتت أنيابا وكشرت عنها لسحق الأخضر واليابس ، هذا الطموح البركاني وإن على االمستوى الافتراضي ، يفجر في نفسه البحث عن البديل وإن في داخله المتأزم ، الرافض المتأرجح بين الهروب الصوفي السلبي والاقتحام البطولي الذي بإمكانه قلب الأوضاع وإنهاء زمن قمامات الفساد ، وهذا أقصى ما تطمح له نفس تعيش أزمة صراع داخلي ذاتي ، استطاع القاص عمر الشال بحنكته الفنية في المجال السردي ، اللعب على تغيير وضعيات السارد من الهروب والإقصاء الذاتي ، إلى إعادة ترتيب الأوراق ، والعزم على اقتحام معركة التغيير ، ونحن نعرف كقراء ما لتغير الوضعيات من أهمية قصوى في تنمية أحداث القصة ، ونحن ننتقل من وضعية إلى أخرى وكأننا نسير في الوحل ، لأن العبارات السردية تشدنا شدا ، خصوصا وأنها تسكر من خمرة اللغة المغردة في الفضاء الفني الانزياحي بعيدا عن الواقع المباشر ، هذه الخمرة التي تعتصرها ذاكرة المبدع عمر الشال ، وتقديمها للقاريء على طبق لغة الجنون ، نعم لغة الجنون ، مادمنا نرقص مع القاص فوق الأشياء من خلال لغته العذبة الجميلة كما سنرى عندما نعالج تقنية التوظيف اللغوي. الصراع الداخلي للاديب الذي يحمل هم القضية القومية ، في أمة موبوءة كان لها في زمن ما تاريخ وحضارة ، قضية أمة شربت على نخبها كؤوس الفساد من تحت أقدام جواري الزمن المريض القديم ، هذا الصراع /الحلم ، سيزلزل الأرض تحت أقدام الخونة واللصوص وسيفتح ساحات التغيير على مصراعيها لطرطقة أجنحة الديكة العطشى للصياح ، العطشى لتحريك الجناح ، اشتاقت الديكة للصياح ، فقد ملت الخنوع والخشوع والرضوخ للنزوات الشيطانية منذ فترة طويلة ، من تاريخ أمتنا النظيف ، سيستفيق الأستاذ عمر الشال من هذا الحلم / الكابوس ، على الواقع المر الذي قد يتغير أو يستمر على حاله .
أشد بحرارة على يد السيد عمر الشال لكونه كان فنانا في تمرير المنديل على جبهة القاريء ، الذي ربما كان يتصبب عرقا لأنه شارك بشكل أو بآخر في هذا الصراع الداخلي والحلم القومي الذي كان يعيشه ، إذ لم يكن ذلك إل رسم لملامح الحاكم المتوخى والمفترض مرسومة في أوراق تتلاعب بها أيدي طفل محبوب الشغب وهذه فعلا قفلة تعرق الجبين .
*المقومات الأساسية للنص : في هذا المحور سأتطرق بالنقد والدراسة للمقومات الفنية لهذا النص ، الذي اعتبره شخصيا كقاريء
‏‎frown‎‏ رمز تعبيري
متعة فنية وإفادة مضامينية ) وسأنطلق من توأمي الفن السري المتلازمين:

المكان:
كما سبق أن قلت في بداية هذه المقالة النقدية ، إن اشتغال الأستاذ عمر الشال على المكان كان بحرفيته المعهودة ، في التمكن من شد القاريء من خلال المكان باعتباره المسرح الأساس الذي ستجري فيه الأحداث ، وقلت بأن القاص توفق في خلق الغرائبية والإدهاش لدى القاريء من خلال اختيار مكان اقل ما يمكن أن نصفه به ،أنه مكان ضارب في عمق تاريخ التفكير الشعبي ، الذي يفتح شهية الخيال عند القاريء ،( فالبلاد البعيدة) تستوجب هذا المجهود التخييلي من طرف القاريء ، وهذه ميزة تحسب للكاتب لأن الناجح من الكتاب هو الذي يشرك القاريء في بناء أحداث النص وإعادة صياغتها ، فيحول الكاتب قارئه من متلق مستقبل ومستهلك إلى مبدع متفاعل و قاريء واع ، وأظن أن هذه الشروط قد توفرت في نص (عزف منفرد ) فالقصة شأنها شأن باقي الأجناس الأدبية الأخرى ابنة بيئتها فليس المكان هنا في هذا النص إلا ذلك المكان الذي أصبح مؤثتا ببؤر الفساد في الوطن العربي ، وإن كان مكان القصة خليط من الامكنة التي اعتصرت في ذاكرة الكاتب ليخرج بمكان افتراضي خاص بالنص شأنه في ذلك شأن باقي المقومات الفنية الأخرى من شخوص وأحداث وغيرها فعالم القصة افتراضي أو مجانس للواقع المعيش ، فالانزياح عن الواقع ضرورة فنية يفرضها القاريء الذي يميل دوما إلى الهروب من واقعه وبحته عن المتعة في عوالم أخرى تخالف عالمه الخاص ولو كان الاختلاف على سبيل التمويه ،وهناك يكمن رضوخ المبدع للقاريء الذي يشكل شوكة في حلقه باعتباره أكبر ناقد ، فهو إما متفاعل مستقبل أو رافض عازف عن القراءة ، وهذا
ديدن نجاح القاص المبدع .

الزمن:
زمن الحكي في هذا النص مجموعة من الفترات التي تؤتت لوقوع الأحداث ، هذه الازمنة لم تكن لتخرج عن الزمن المتعفن الذي يمخر دواخل السارد ، زمن العهر ، والقمع ، وغياب القيم الإنسانية في مجتمعات ترزح تحت نير الخيانة والأنانية التي تتجلى بأبهى مظاهرها في كل مفاصل الحياة في هذه البلاد البعيدة المفترضة ، وأكاد أجزم بأن الزمن هنا مثله مثل المكان كباقي المقومات الأخرى ، تتفاعل فيما بينها في ذاكرة متأزمة ، تتأرجح بين الهروب والاقصاء الذاتي والطموح والتعطش لرياح التغيير ، تفاعل كل هذه المكونات والمقومات فيما بينها بشكل إبداعي جميل ،وبارع تعطينا هذا النص ، الرائع الناجح على جميع المستويات .
*الشخوص : تم تركيز الحشرة الليلية المضيئة-التي استهوتني – على شخصية واحدة تكاد تنفرد بجميع الأدوار في هذا النص ، وهي شخصية السارد ، الذي تتعدد أدواره ، أما باقي الشخوص الأخرى فقد تذكر من حين لآخر من أجل تنمية الأحداث ، وهم هنا مثل التوابل التي يرشها الكاتب من حين لآخر ،لإشعال فتيل أحداثه عندما يلاحظ أنها بدأت تخبو ، لأن الحدث الرئيس في النص ، لا يتجاوز ذلك الصراع الداخلي للبطل الرئيس ، الذي لم يكن إلا السارد /البطل / الكاتب .

السرد:
على هذه التقنية يتوقف فن القص بصفة عامة ، سواء كان قصا طويلا أو قصيرا أو حكايات أو ما لبس لباس السرد نفسه ، وكيفية نقل الكلام المحكي إلى المتلقي اعتمادا على مؤثرات فنية معينة يعتمدها السارد ، ونجاح النقل يعتمد أساسا على تدبير أمور نقل هذا الكلام وصنعه وتوزيعه بين الابطال بمختلف مراتبهم سواء كانوا رئيسين او ثانويين .
هذه العملية هي التي تجعل القاريء يقبل على التهام النص والغوص في خفاياه ، مستوى السرد هنا في هذا النص قائم على التركيز على السارد ، الذي يحتكر
الكلام المحكي ولا يوزعه كما جرت العادة في النصوص السردية إذ يظل السارد خارج لعبة الأحداث ، ويعمل إما مشاركا من حين إلى آخر أو مراقبا وموجها لدفة تدبير شؤون الأبطال ، أما في( عزف منفرد ) فالسارد هو الاساس ، فهو أول
من يتكلم وآخر من يتكلم ،إذ استحوذت تدخلاته على تنظيم الخطاب السردي في
النص ، مركزا في ذلك على ضمير المتكلم الذي يقربنا أكثر كقراء من مصداقية الصراع الداخلي الذي يعيشه السارد / البطل . فصوت السارد اذن هو الصوت المهيمن وقلنا يتوسل في الكلام باستعمال ضمير المتكلم متنقلا بين الهروب والاقتحام ، بين اليأس والاصرار على الغذ الأفضل ، فالطموح والهروب اساس
هذا الصراع الداخلي الذي يعيشه هذا السارد البطل ، الذي تتغير وضعياته بين
الفينة والأخرى ، وهو يتموضع داخل القصة المحكية ويقوم بالفعل إلا أنه ينكفيء على تداعياته واسترجاعاته التاريخية من حين لآخر ، مرورا بشخصيات تاريخية تختلف من حيث الأهمية التاريخية في البلاد العربية ، وعلى الرغم من تكسير قضية السرد بفعل تداخل فكرة الإقصاء الذاتي والهروب الصوفي واقتحام هذا الواقع العربي المتعفن الذي تغذيه رياح التغيير ، عندما تصيح الديكة العطشى للصياح وتمرن
اجنحتها على التصفيق ، تقنية السرد غاية في الحرفية والدقة التي يستحق عليها الاستاذ القاص كل احترام وتقدير .

اللغة:
الوظيفة الأساسية للغة هي التواصل أي نقل المعلومة من شخص إلى آخر أو من مرسل إلى مستقبل ، وهي أشبه ( بالسبير ماركات ) كل يقتني من خيراتها حسب قدرته المتكلمية ، فهي فضاء لغوي ، لم يتشكل بعد ، إلا بتدخل من المتكلم ، الذي يعمل على ترتيب هذه المقولات اللغوية في نسق لغوي معين ،و
تختلف الأنساق حسب قدرات المتكلمين ، المبدع مثله مثل المتكلم العادي يختلف عن غيره في طريقة تشكيل الكلام ، أو ما يسميه النقاد القدماء ،بالنظم ، ومن بينهم الجرجاني ومنهم من اعتبر هذا التشكيل هو عصب جمال اللغة ، معتبرين أن المعاني مطروحة في الطريق ولكن الاختلاف يكمن أساسا في طريقة النظم ، هناك من يعمد إلى توظيف اللغة المباشرة ، فيقع مكتوبه في الابتدال وينزل اسفل سافلين وهناك من يتقن التلاعب بطريقة الإسناد ، ومن ثم يحلق في عالم الجمال ، هذا ما سنراه في هذا النص ، لأن الأستاذ عثمان عمر الشال من الكتاب الذين يحسنون التحليق بالقاريء فوق الواقع ، فهو من أجمل جماليات الصورة في النص القصصي ،يقوم بتكسير المألوف، لخلق انزياح يخلق الاندهاش والغرائبية في نفس القاريء ، فهذه الخاصية في القصة تبتديء من اللغة التي يوظفها الكاتب ، قبل أن تتوفر الغرائبية في الأحداث ، فعندما قرات النص ،أعدت قراءته أكثر من مرة للوقوف على مواطن الانزياح وبلاغة الغموض في النص ، فاتضح لي أن الأستاذ عمر الشال ، قرر عدم وضع القدم على الأرض ، منذ أول كلمة خطها في هذه القصة ، ومعه في ذلك حق ، فمن أراد المتعة في قصته عليه أن يحلق معه ، في انزياحاته ، سئل ابو تمام يوما : “يا أبا تمام لماذا لا تقول ما يفهم “؟!فأجاب : ” ولماذا لا تفهمون ما يقال ؟!” ونتوخى أن نرتقي بمستوى القاريء إلى عالم الانزياح وبلاغة الغموض .
يقول هوراسيو كيروغا :” لا تبدأ بالكتابة دون أن تعرف اين ستذهب من أول كلمة ، في القصة القصيرة الجيدة الثلاث أسطر الاولى هي تقريبا بأهمية الثلاث أسطر الأخيرة” .فالتحليق في عالم الانزياح من بداية النص ، يضفي على النص طابعا خاصا ، لاحظت أن النص من عنوانه إلى آخر كلمة في القفلة ،تعمد إلى توظيف الصور البلاغية القائمة على الاستعارات والتشابيه والتماثل ،هذه التشبهات والاستعارات والرموز أي كل ما كان مجرد محسنات ينفلت من بين يدي البلاغة لكي تصبح صورة رائعة تعطي القصة طعما خاصا ، لأن الصورة بصفة عامة سواء في هذا النص أو غيره ،هي تحويل لماهو مألوف ومستعمل من الكلام إلى لغة مجازية واستعارية وبلاغية خارقة لما هو عاد ، وليس من السهولة بمكان خلق الصورة التي تعمل على التغيير والتحويل والاستبدال لماهو مألوف ، للسيطرة على رغبة القاريء في القراءة ، وإتمام النص .وأعتقد جازما بأن الحنكة الإبداعية للقاص عثمان عمر الشال ، جعلت نصه مستوف لهذه الشروط التي يتطلبها القاريء وأنا انطلق من موقفي الخاص كقاريء قبل أن أكون ناقدا ، والنص الناجح بطبيعة الحال هو المنفتح على تعدد القراءات وكثرة التأويلات ، وهذه الخاصية هي التي تزرع الروح في أي نص إبداعي كيفما كان نوعه ، وديدن هذه الخاصية هو الانزياح وبلاغة الغموض . واللغة المبتدلة المباشرة تحكم على النص بالموت لانه لا تتنوع بنيات معانيه ، ولأختم هذا المحور المتعلق باللغة أقول إن الأستاذ عثمان عمر الشال ، يطبق مقولة نيتشه في كتاباته السردية ، يقول نيتشه :” اللغة نوع من الجنون العذب ،فعند الحديث بها يرقص الأنسان فوق جميع الأشياء “. هكذا تكلم زرادشت .
*الخاتمة : إن دراستي لهذا النص ( عزف منفرد ) للأستاذ القاص عثمان عمر الشال ، قد عرفتني على نوع جديد من فن الكتابة في مجال القصة القصيرة ، وأقول استنتجت ثلاثة عناصر في هذا النص : العنصر الاول يتجلى في تغلغل الكاتب في الدراسة النفسية للبطل ، وحصر طرق تفكيره إن على مستوى السلب أو الإيجاب ، وهذه العملية لن ينجح فيها إلا عالم نفس .( هذه نقطة للنقاش / حاجة المبدع إلى دراسة العلوم الانسانية المختلفة ؟؟). والنقطة الثانية وبإيجاز : توفق عمر الشال في الاشتغال على جماليات اللغة والمضامين والمحتويات ^ العنصر الثالث : اشتغاله على محورين متناقضين يتجليان : الهروب الصوفي والإقصاء الذاتي / اقتحام الواقع المتعفن من أجل التغيير ، يغذيه الطموح المنكسر على بساط الوهم ،ربما تنفرد هذه القصة بهذه الخصائص ، لكن مهما يكن فإنها تبقى من بنات أفكار الأستاذ عمر الشال .

أضف تعليقاً