بقلم الكاتبة مريم بغيبغ
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
عندما نقف أمام هكذا نصوص فعلينا أن ننحني ونرفع القبعة لا محال!
سرد تصويري رائع في تقنيته ورصف لحظاته بدقة متناهية في الجمالية والتمكن..
العنوان
غَفلَة: مفردة نكرة اختيار موفق وجميل جداً ، جاء العنوان كسبب كلي لمتن النص، الغفلة هي شيء ما خارج نطاق إدراكنا كتفكير أو كمادي في آن معاً، فله أبعاده المرتبطة بماهية مكانه وزمانه وشخصه!
( خَرج مِن رحِمها، أنكَرَها.) هنا صورة العقوق للابن ! جملتين قصيرتين مترابتطين ببعضمها استهلال داعم لحدث سردي وتعبير رصين لوصف العقوق، ونلاحظ علامة الترقيم(.) في نهايتهما أفادت بنهاية وقوعمها كحدث والفائدة النحوية أيضاً ليكونا جملة استهلال واحدة بصورة معبرة وبتكثيف جميل جداً دون التطرق للأسباب والتفاصيل رغم أن في عمقهما الكثير من الدلالات والإيحاء وسأكتفِ بهذا القدر بعيداً عن الإسهاب!
(فِي نَشوة الوُجود تَسلّق عُمرَه.)
نَشْوَة : (معجم الغني)
جمع: نَشَوَاتٌ.
(مصدر نَشِيَ).
1- نَشْوَةُ النَّصْرِ : الابْتِهَاجُ، التَّهَلُّلُ- نَشْوَةُ الطَّرَبِ :-نَشْوَةُ الفَرَحِ.
2- بَدَأَتْ نَشْوَةُ الْخَمْرِ تَلْعَبُ بِعَقْلِهِ : أَوَّلُ عَلاَمَةِ السُّكْرِ.
ما لم أتطرق للإسهاب عنه في دلالات وتفاصيل العقوق في الجملتين الأوليّتين ها هو التفصيل الدقيق بتكثيفٍ بارعٍ في الصياغة واستخدام المفردات بانتقاء مذهل(نَشوة الوُجود/ تَسلّق عُمرَه.) كما أوردت من المعجم عن مفردتنا المفتاح لهذا التكثيف والإيحاء فإذا نظرنا لمعناه وللفعل(تسلق) نجد أن شخصيتنا كانت في مرحلة المراهقة من العمر أي في بداية الشباب وغالباً ما نجد العقوق للأهل بهذه المرحلة من العمر وخاصة الشبان، بحيث تكون رغبته الجامحة وذروة فورته لنزعته في الرغبة واكتشاف كل ما يدور من حوله وبأنه بات مستقلاً وغدا رجلاً، وهذا المفهوم سائد في مجمعاتنا العربية بشكل عام ولكن محصور بمجتمعات وفئات شعبية معينة ، وغالباً ما تكون من الطبقة المتوسطة والفقيرة ولست أنفي أنها متواجدة في الطبقة الغنية ولكن نتيجة الجهل الثقافي والاجتماعي هي أشد وثاقاً بفقراء الحال لضعفهم المعرفي والاجتماعي فيغدو كل شيء مباحاً لهم وخاصة في هذه المرحلة من العمر(المراهقة). وكما نجد إيحاء وتكثيف تبع الاستهلال كدعم وتوثيق لجعل الترابط بين الصور بتتابعيتها أسرع في وصولها لذهن القارئ أو المتلقي وختمت بعلامة الترقيم(.) كدلالة على المدة الزمنية الفاصلة بين الأحداث فنجد أن القاصة استخدمت آليتين في صياغة جملها (نقطة بداية تصاعد تنقل ثم ترابط تصاعد وتنقل) بحيث يكون تم نقل الصور الحدثية وتصاعدها بالتنقل بالأفعال الماضية (خرج/ أنكرها/تسلق).
ومن ثم بعد هذا التدفق الإيحائي المكثف نقف عند( تسلق عمره. غمزته نجمة.. صفق له القمر…) لنجد في هذه الصور البيانية بروز الانزياح بانسجامٍ فني في صياغة الجمل مرافقاً لها التكثيف والإيحاء والرمز(نجمة/ القمر) والّتي تدلنا على الليل وبأن شخصية قصتنا كانت تتسكع ليلاً وتجري خلف شهواتها.. ( في نشوة الوجود تسلق عمره.) فبعد أن كانت البداية، مما يحلينا لإظهار الرابط الوثيق بين (أنكرها) و اتباعه لطريق غير سوي، وهي منطقية غير مجردة فمن يجحد وينكر فضل والديه عليه سوى عاق لئيمٍ وغَرور..
(غمزته نجمة/ أي أنه وقع في غرام إحدى بنات الهوى..)
(صفق له القمر…: أي أن أصحابه ممن كانوا يتسكعون معه أو من هم أصحاب النوادي الليلية الّتي كان يرتاد عليها، فكانت ذريعتهم التصفيق له ليزدادوا اكتساباً منه وهو في غفلته دون دراية كما تخبرنا جملة التالية..
(لايفقه ما يحدث له.. كان يصعد نحو الأسفل…) !!
حين وصلت إلى هنا بقراءتي أثار النص إعجابي ودهشتي أكثر وأكثر لما فيه من دقة في تكثيفه و إيحائيته ورمزيته وتصويره القصصي البارع جداً جداً.. لنقف قليلاً ها هنا عند جملتنا(كان يصعد نحو الأسفل…) وعند هذا الفعل(يصعد) فالصعود في معناه هو تطورٌ حدثي المراد هنا ولكنه كان اتجاهه نحو السلب(الأسفل) ولكنه أيضاً يخفي في خلجات مرامي قاصتنا أن بطل قصتنا أنه كان يمضي طريقه في عالم الفن الغنائي وما شابه وهذه النتيجة من ترابط الأفعال والمفردات والتراكيب التالية(نشوة/تسلق/نجمة/صفق *له*القمر/ لا يفقه/ يحدث/يصعد/نحو الأسفل) فكلها منطقية بحتة وما ثمة أي جدل أو غبار عليها البتة، وبالتحليل الدقيق..
*نشوة: بداية طريقه/ تسلق عمره: سعيه لينال الشهرة/ نجمة: رمز مجاز دل على الجمال فهي أنثى في ذات طريقه…/ صفق له القمر: من كانت أكثرهن جمال وبأنها ذات شهرة كانت تدعمه بالرمز من خلال الفعل(صفق)/ لايفقه: منطقيٌ جداً لأنه كان يمضي في طريقٍ لا يعلم عنه شيئاً وهذا مرتبط بأنه مراهق مما يزيد الترابط وثاقاً أمتن/ يحدث: وترابط هذا الفعل بما في سياق الجملة والعنوان(غفلة) واضح جداً/ يصعد: هو تغير في حاله من شخصية عادية لشخصية لفتت الانتباه والأضواء(غمزته نجمة/صفق له القمر)/ نحو الأسفل: تدل على الضياع وتدعم كل ما ورد من العنوان(غفلة) وصولاً لهذا الحد من سياق السرد.)
(تَذكَّر بَعد حِين مِن الزَّمن أنّه كَان يَرقص بِدُون سِيقان.)
وهنا عند جملتنا هذه الّتي تبدو عادية وليس بها من أي دهشة ولا صدمة ، ولكن الملفت للانتباه ويشده(يرقص بدون سيقان) وهنا مكمن البراعة والإتقان في التورية المثيرة للفضول والتعجب في آن معاً .. ولست أخفيكم سراً عندما قرأت النص للمرة الأولى استوقفتني كلمة(سيقان) فظننت أنها مجاز تعبيري وأن ما أرادت القاصة قوله في قفلة القصة مفاد(أن الجنة تحت أقدام الأمهات) لما قرأت من أحداث في سياق النص ولكنني الكلمة(سيقان) هي من جعلت الشك لا يفارقني بأن ليس هذا المراد ولا المرمي إليه..
فإن ما أرادت القاصة إصابته وتحقيقه فعلته وبكل جدارة بهذه الكلمة مع ارتباطها بالفعل(يرقص بدون سيقان) بحيث أنها أوجدت المفارقة بإذهال فكيف يمكن له أن يرقص بدونها؟؟!! ( الساق: هو العظم مابين الركبة والقدم).
ما كان المغزى من هذه القفلة هو أن الكلمة(سيقان) عائدة لمن كان يراقصهم لتقول لنا القاصة أنهن كنّ زائفاتٍ متصنعاتٍ ولا يمتن للجمال بصلة سوى المظاهر لأنهن غير محتشمات وما إلى هنالك، ومن بعض مقاييس الجمال في قوام الأنثى النظر (لساقييها) في تقيم جمال.
سأكتف بهذا القدر ولن أطيل أكثر، رغم أنه يوجد الكثير من الدلائل!!
النقد والنص
الأفعال: ( خَرج /أنكَرَها/ تَسلّق /غمَزته /*لاَ يَفقه / يَحدث /كَان /يَصعد /تَذكَّر /*كَان /يَرقص ) وتقريباً عادلت نصف النص مما أعطاه توزانٍ في متنه بآليّتين التنقل والتصاعد الحدثي في سرده التصويري الذي امتاز وبرع في تكثيفه وإيحائيته ورمزه وأسلوب الماتع والشائق.
#الصياغة مترفة جداً وأجادت الدقة في استخدام المفردات والأفعال والتراكيب والرموز الدلالية.. وكما أوجدت ثماني علامات ترقيم تموضعت في أماكنها وربما قد تختلف الأراء عن استبدال مواطن بعضها بعلامات أخرى لست بصدد الوقوف هنا لطالما كان النص ثري في فكرته وبنيته وصياغته وأتقن التوظيف والقص ببراعة مذهلة. العنوان كان من رحم النص مما أبرز ثيمته بتجلي واضح كشعاع طغى بخيوطه على مجمل النص.