للكاتب أبو معاذ أبو سويرح

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

فرصة
استقال ضميره؛ وظفوه.

خُلِق الإنسان و في باطنه استعدادات فطرية تمكنه من الحياة الراقية كإنسان فوق هذه الأرض،و من تلك الاستعدادات، الضمير الذي يعني في اللغة الخفي، و هو من فعل أضمر و يضمر، بمعنى أخفى و يخفي، و في الاصطلاح،الضمير هو تلك السلطة الباطنية التي تمكن الانسان من التمييز بين الحق و الباطل،التفريق بين الصالح و الطالح،معرفة الخطأ من الصواب،و تحثه على فعل الخير و تلزمه به،و تأنبه في حالة الوقوع في الخطأ أو الشر،و تلومه في حالة الاصرار عليه، و من خلال هذا التعريف نلمس معنى النفس اللوامة المذكورة في القرآن الكريم.
والإنسان الميت الضمير،أو المعطل فيه، أو الذي به عطب معين بسبب ما، يمكنه اقتراف أقبح الأعمال و أسوأ الأفعال، و في هذه الحالة هناك من يحاول استغلال هذا الظرف النفسي و يستعمله لمصالحه الخاصة بغض النظر عن ذلك الفعل ان كان من الأفعال السلبية أو الايجابية؛ و من خلال سياق الومضة نشعر أن هناك انسان أخر يوجه ذلك الضمير المُستقيل ، الى السلبية و الشرور العمياء، و ذلك من خلال قوله( وظفوه ) التي يمكن فهمه على وجهين مختلفين لكن هدفهما واحد، الوجه الأول بمعنى توظيف صاحب ذلك الضمير الميت للعمل في عمل معين كالحصول على وظيفة يقتات منها، و ذلك بعد أن دفع رشوة مثلا ، كي يتم اقصاء شخص معين من منصب عمله و قطع مصدر رزقه،ليتم تشغيله أو توظيفه مكانه،و مثل هذا الفعل لا يقوم به و لا يرضاه إلا ميت الضمير.
و الوجه الثاني من المعنى،وظفوا ذلك المنعدم الضمير للعمل ضمن فريق أو جماعة معينة يكون أفرادها كلهم من الأشرار، تعمل في سرية تامة لأن العلنية ستكشفهم بالتالي يندثروا، و في هذا المعنى اشارة إلى الجماعات الخفية التي هدفها التخريب المعنوي و المادي أو ربما اشارة إلى طائفة دينية متطرفة تستغل الدين للوصول إلى مأربها الدنيوية، و ما أكثرها في زماننا هذا، والومضة كلما تفرّعت معانيها و تعدّدت في أقل كلمات ممكنة كلما كانت أجمل و أعمق.
و قد أسحن صاحب الومضة استعمال فعل (استقال ) لأنه يشير إلى أن هناك إرادة في الفعل و اصرار في النية على وأد ضمير بطل القصة .
المفارقة كانت محكمة البناء و متينة الأساس،و عليها شُيّد المعنى العميق للومضة، و هي موفقة إلى أبعد حدود التوفيق، فصاحب الضمير الميت أو المستقيل من المفروض أن تُبعث فيه الحياة من جديد، لكن في الومضة نرى العكس، فقد تم خنق أنفاس ذلك الضمير المشرف على الموت، و ذلك باستغلاله و استعماله في السلبية السوداء و الأعمال الشنعاء، وهذه المفارقة جعلت الومضة تتزين بتلك الدهشة التي تجعل القارئ لا يكاد يصدق هذه النتيجة الصادمة، و الجزء الثاني من الومضة كلما قلّت كلماته مع حُسن استعمالها تكون النهاية مدهشة إلى حد الصدمة لإحساس القارئ، و قد تم استعمال هذا الأسلوب في هذه الومضة الجميلة.
الومضة مكثفة تكثيفا شديدا بحيث لا يمكننا تكثيفها أكثر،لأن حينها سيختل المعنى و يضيع.
العنوان: اسم نكرة،غير مباشرو لم يكشف المعنى العميق للنص، فتلك الفرصة كانت سانحة جدا ( الضمير المستقيل ) و تم استغلالها في الوقت المناسب بحيلة لبقة و طريقة ذكية، ربما لأنها فرصة لن تعوّض لهذا تم الانقضاض على ذلك الضمير الميت و استغلاله أبشع استغلال قبل أن يستفيق من سياته العميق و يعود إلى رشده و تنبعث فيه الحياة من جديد.

أضف تعليقاً