للكاتب شفيق الموعي
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
وقف الكاتب على حافة الحروب لينظر نظرة حيادية تماما من منطلق إنساني بحت وانتماء بشري وإخلاص لروح الآدمية التي تميزنا عن الوحوش بشكل عام و من دون تحزُّب ، ومن دون كراهية إلا للقتل والقتل بشكل خاص .
في هذا النص المتوهج المعنى تنام الأحداث في حضن الفكرة لتؤرقها وتشعلها كوابيس متعددة المعنى فالحدث تنحى لصالح الفكرة لأن الحدث الجلل جريمة لا يمكن نكرانها ولكن الجريمة الأكبر هي تطويع الفكرة لتبرير ما يحدث من قتل على مرأى من عين الله .
العنوان ( لَدَد ) هو الخصومة الشديدة مع الميل عن الحق .
ولكن من أشعل هذه الخصومة ؟
لاشك بأنها الفتنة ، لذلك فالعنوان فيه تضمين لمعنى الآية الكريمة بل وينطلق من وحيها ( واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب )
افتتح قصته بشبه الجملة ( على أطراف المقبرة ) قدّم المقبرة على الفعل (تقابلوا) حتى يستحضر ملك الموت الذي خيّم على نتيجة صراعهم فهو سيد الموقف وهو الذي خصم الخلاف مؤقتا ولم يخصمه للأبد لأنهم لم يقفوا في طرف واحد من المقبرة .
إنهم يتخاصمون فيما بينهم ولكن خصومتهم هي مع الله عز وجلّ لأنهم خالفوا تعاليمه وهنا تناص آخر مع الآية الكريمة ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها أبدا وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ الله له عذابا عظيما )
إن الله سبحانه وتعالى غاضب من الجميع فالكل يضرب بسيفه ( تنافرت الله أكبر ) وكأن لسان حال هذه الجملة يقول : يا بني البشر أنتم جميعكم دون استثناء تهتفون الله أكبر دون معرفة بمعناها .. أيها الجهلاء إنّ الله أكبر مما عرفتم ، إن الرسول الذي بلغ سدرة المنتهى لم يعرف الله معرفة كاملة بل كانت معرفته نسبية لأنه بشر ، حيث أنه لايعرف الله إلا الله ( الله أكبر ) هي لسان مقالكم اما كمعنى فأنتم لا تدركونه انتم تقولوها لتبرير نزواتكم ومصالحكم الدنيوية والدموية . أنتم لم تقولوها إلا بطرف لسانكم العاصي بينما قلوبكم مرهونة للشيطان لذلك أصبح غروركم لا مثيل له أصبحتم بمقولتكم هذه أكبر من الله حاشاه .
( حين تحررت من سلاسلهم ، استعادت وحدانيتها )
المقصود عندما تحرر الله من القتل باسمه عاد واحدا لا شريك له .
إن الله غاضب من الجميع فالكل يضرب بسيفه وهو منهم براء إنهم يقتلون ويسفكون دماء البشر باسمه ويفسرون ويجتهدون على مزاجهم ، وهنا أتت القفلة لتقول بما لا يقبل الشك هذا هو الإشراك بعينه وعندما يتحرر الله عز وجلّ من جورهم وظلمهم له لانهم ظلموه قبل أن يظلموا أنفسهم والبشر ، عندها ستعود له وحدانيته وصفة الإله المطلق الواحد الواحد الأحد ( قل هو الله أحد ) بعد أن صنعوا واستنسخوا منه مئات الآلهة وكأنه أستغفرُ الله لعبة بأيديهم أو كأنه أسير يجرونه بسلاسل الاجتهادات والافتراءات الكاذبة .
أتت ( استعادت ) مسبوقة بظرف الزمان ( حين ) للتأكيد على أن استعادة الوحدانية لن تكون إلا بالتحرر من سلاسلهم .
لقد انسحب الفعل ( استعادت ) من الماضي إلى الحاضر ليعلن وحدانية الله وليؤكد ما يجب أن يكون في المستقبل إلى يوم البعث .
وكأنّ ( استعادت ) جرَّت كل الأطراف المتنازعة وكل الحوادث المؤلمة وكل الفظاعات وويلات الحروب وكل من تنكر لحقيقة الله وحاول التدليس عليها ، جرتهم إلى الصراط المستقيم ودعتهم للتوبة وإلى اجتناب ما يغضب الله وما هو ضلال يشوّه الحضرة الإلهية الموصوفة ب ( أكبر ) حيث أنّ اسم التفضيل ( أكبر ) في قولنا ( الله أكبر ) مقصود به قوة الوصف وهو مسلوب المفاضلة أي لا يراد به أكبر من كبير آخر لأنه لا مجال للمقارنة .
من ناحية الحذف من الممكن الاستغناء عن جملة ( اختلط عويل الأمهات ) وإضمارها فتفتح بذلك أفق لتصور أكبر للمشهد ، لأن الجملة السابقة ( على أطراف المقبرة تقاتلوا ) تشير إلى وجود أطراف متنازعة وطالما انهم في المقبرة فلسوف يختلط البكاء وتتماهى الأصوات .
اللغة السردية امتازت بالواقعية والموضوعية ، لم تستجد عواطف القارئ بل ركزت على تداعيات الحدث وعلى طرح حلول خفية في رحاب المضمون
تدور حول ضرورة العودة لله وتنقية القلوب من البغضاء وضرورة المصالحة والاحتكام للحوار للوصول إلى محور واحد هو قمع الفتنة وإيقاف نزيف الدماء.