للكاتبة ندا قنواتي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

بداية من العنوان (مبادلة) تدخل بنا الكاتبة إلى العمق مباشرة، فلا الجو القصصي، ولا الواقع المحيط بالكاتبة يسمح بالوقف للحظة واحدة للتخير والإختيار، فربما الفانية القادمة يسقط برميل متفجر يودى بحياة القاصة نفسها، وإن جاء العنوان متسع الرقعة والتفنيد، وانزياحاته متسعة بقدر الأحلام والأمنيات التى نحملها وقت الشدائد، فيمكن للمرء في هذه الظروف الصعبة أن يجرى المبادلة لأي شيء بكل شيء.
وها هي بداية القص …
(من نافذة القهر، ومن بين الشقوق الخشبية الملامح، ترقب بصيص ضوء ليس منها، وما تركها لتصبح منه.).
ونرى أسلوب “الكاتبة” والوضع المحيط بها، ومع هذا نكتشف لغة السرد الرصينة والعالية الجودة، والأسئلى التي طرحتها ضمناً من خلال الإستهلال رغم حالة القهر التي تلفها ولو كانت نافذة، والتركيب اللغوي الفذ …
من بين شقوق نافذة القهرالخشبية الواقفة خلفها \ ترقب بصيص ضوء.. هذا البصيص لم يصدر من داخلها لحالة القهر التي تلفها، وهذا البصيص أرسله أحدهم.. ربما شخص مادى بعينه؟ أو خيال يجول بداخلها ؟. أو أمل تحلم به مسبقاً.. حالة غامضة رسمتها “الكاتبة” ووضعتنا فيها بلا إختيار أيضاً .
وهنا استطاعت “الكاتبة” بل أجادت في رسم المشهد بإتقان مذهل، ونكاد نحبس أنفاسنا معها ونتوحد فى الخوف أيضاً .
ثم تكمل لنا “الكاتبة” مرحلة بدية القصة …
(لم يكتف بنظرته الشامتة إليها، لكنه بادر لفعلة أكثر استفزازا، بدأ يستلُ منها أيامها، اليوم تلو الآخر، أُسقط في يدها ونداء جاف على شفاهها الناضبة يستجدي النور الزاحف مبتعدا،) .
وهنا نلاخظ تنامي السرد، ولكن بحساب”الكاتب” المحنك، المتمكن من أدواته بالإحتفاظ على خط الخبكة والتشويق.
ونتساءل ؟.
من ذا الذي لم يكتف بنظراته الشامتة ؟ وبادرها بفعلة أكثر استفزازا ، وسرق منها أيامها.. يوما تلو الأخر، أسقط فب يده وحلقها نداً جافاً.. تستجدى النور يزحف مبتعدا عنها ؟.
ولابد لنا نقف أمام هذه التعبيرات التي قضت من ماس في بلاغة ورشاقة بليغة لتسطر لنا مفردات جديدة خاصة بها.. مفردات متدفقة ترسم مدى المعاناة التي تكتنف المبعد عن وطنه حرصاً على حياة النفس كما خلقها الله حرة .
ثم تعرج بنا”الكاتبة” وتصل إلى لب (العقدة) … حتى
(أترك لي عمرا من عمري، دع حتى مُرَهُ، ولكَ كل الأيام الأحلى.)
رجاء الهارب من الموت ممن يمتلك سلاح الموت \أترك لى عمرا من عمرى.. دع لى المر منه، وخذ أنت أحلى الأيام منه.. هذا التعبير الباذخ والفريد التى جاءت به “الكاتبة” ببراعة يدلل على حالة الانكسار التى وصلت إليها، وفي نفس اللحظة تكشف قساوة الأخر، وسواد قلبه، ومع هذا تتمنى له الحياة الرغدة، وهنا تكمن المفارقة في السرد، وانزياحات أخري كثيرة .
وتستمر”الكاتبة” بالسرد المتوالى بعرض منطقة الوسط بالقصة جملة تتبعها جملة أدق منها ؛ لتكمل لنا المشهد المأسوي الذي يحياه الشعب السورى في محنته القاسية …
(ويستمر النور ألماً وراء سحب الخيوط، غير مبال بتلك العين المبتلة، المغرورقة حريقا.
وذاك الصراخ المتيبس على مشارف الأهداب، خيط تلو الآخر، كل منهم يحمل صورة طفلة بضفائر على أرجوحة مخملية، كانت تتهادى على وقع نظرات أبناء الحي الزائغة الملهوفة.) .
وهنا نلاحظ الجمل المكثفة المستخدمة \ النور أصبح مؤلم بسحب خيوطه من النفس البشرية خيطاً خيطا، كإنسلاخ الروح من الجسد نفساً نفسأ .. تشبيه بليغ \ والصراخ المتيبس على مشارف الأهداب والأفمام.. با له من تصوير رائع يحدد ويفصل المشهد بعناية فائقة \ وصورة الطفلة التي كانت تتمايل في أرجوحتها ! ما مصيرها الآن.. أصبح الكل نظراته زائغة.. لا يدري ما تأتي به اللحظ القادمة .
ثم تستطرد إلى صور كانت نحلم بتحقيقها في الغد قبل النكبة التى حطت على بلادها في مؤامرة داخلية وخارجية لا ذنب للشعب السورى الطامع في الحياة على مر العصور في أمان …
(حمامة بثوب زفاف على رفوف الذبح، وأدَ صباها صبح يتلوه مساء.
يدان أو ما شابههما أكلهما التعب، عينان غارتا من الإمعان في التحديق بصناعة يدوية تقي العوز، وشبه سند تختال بجانبه أضحية كل بضع شهور، ويذوي قنديل الزيت على حواف تلك الصور. ).
وهذا المشهد أره زائد على القصة بالرغم من أنه حمل تصوير جميل وكناية جميلة، وقرائتي له ربما يعود لشخصية أو قريبة للكاتبة، بالرغم من التشبيه جاء يصف الحياة اليومية تحت القصف والقتال الذي لا طائل منه ولا كاسب منه سوى الخسران للشعب المسالم بطبعة.
ثم نصل إلى “النهاية” والخاتمة للقصة
(يلمع في البعد إطار فيه خيال أجنة لحم غض يصرخ في طلب الزاد… في طلب دواء وكتاب.. في طلب كيان أخضر… وبقاء أكثر إنسانية.
رفعت صوتا فاق هديره حسرة السنين، وامتدت يدان تقولان الرفض بكل الإصرار على رد منظومة الحكم الضوئي.
لا … هذا مالم يحدث أبدا، فلذات الروح ستبقى، وليذهب العمر بما فيه.).
كما بدأت “الكاتبة” الإستهلال والبداية بالمباشرة، والدخول في صلب الفكرة والموضوع بلا لف ولا دوران بجمل جزلة مقضوضة من ماس …
\ يلمع في البعد إطار فيه خيال أجنة لحم غض يصرخ في طلب الزاد \ يطلب دواء وكتاب \ يطلب كيان أخضر \ وبقاء أكثر إنسانية \
\\ رفعت صوتا فاق هديره حسرة السنين \\ امتدت يدان تقولان الرفض بكل الإصرار على رد منظومة الحكم الضوئي \\
وهما تربط “الكاتبة” البداية بالنهياية بجملة غاية الدلالة .
بكل إصرار نرد منظومة الحكم.. المتطلعة للظهور والمظهرية، وحباً للأضواء البراقة، دونما إنجاز غير الإلتصاق بالكراسي اللامعة.
وفي صرخة من “الكاتبة” مدوية أرادت أن تنقلها عبر كل الكتابات والأبواب والنوافذ، ولو كانت تتجرع القهر، فعى راضية بالمبادلة بكل نقطة دم ، ويعود الوطن معافاً للأجيال القادمة، وتصرخ بـ (لا) …
لا … هذا مالم يحدث أبدا، فلذات الروح ستبقى، وليذهب العمر بما فيه.).
خالص تحياتي للغالية الأستاذة \ ندا قنواتي
والله ولى التوفيق

أضف تعليقاً