بقلم الكاتبة جمانة العامود
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
في الآداب بصورة عامة لم يعد من المقبول استساغة نص ما يعتمد على الاخبار ، والسرد المباشر للحدث ، والوصف الباذخ للشخصيات والاماكن .. باتت الحاجة ملحة لاستدراج المتلقي لان يبذل مجهوداً اضافياً بل استثنائياً لكي يسبر غور النصوص ويستشف ويؤول ويستمتع بالقراءة على نحوٍ مختلف .
ويقول الفيلسوف والناقد الفرنسي الشهير (رولان بارت) في كتابه (لذّة النص) :
(ان نص اللذة : هو الذي يرضي ، فيملأ، فيهب الغبطة . انه النص الذي ينحدر من الثقافة ، فلايحدث قطيعة معها ، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة .)
يشير هذا القول الى ان النص المعرفي المرتبط بثقافة راسخة تنهل من مصادر غير جامدة او ثابتة على زمن او فترة محددة ، بل متجددة بتجدد منظورنا الى الاشياء المحيطة بنا والعوالم التي نصنعها في عقولنا لتحفزنا على الكتابة .. هذا النص المعرفي هو الذي يخلد في بطون المدونات وتشير له الذاكرة الجمعية بأنه غيّر مجرى تناولنا للافكار وتعاملنا معها وارتقى باقلامنا الى مستويات اعلى .. ومن هنا نشعر بلذة التلقي وتعدد اتجاهات التأويل بما يرضي غرورنا وبحثنا عما هو جديد باستمرار .
وقد قدمت القاصة المبدعة جمانا العامود في النص الذي بين ايدينا الموسوم (ولادة) نموذجاً للكتابة المعرفية الناهلة من الثقافات المجاورة بالذات الابحار بالقرب من مناطق الشعر اثناء السرد الذي له روعته الخاصة ومدلولاته العميقة .. يشبه الغوص في اعماق الشعر دون صيد .. فقط الاستمتاع والامتاع بجمالية المؤدى .
نحن سادتي بصدد ثيمة بسيطة تعتمد بنية الزمن وتحاكي لوعة الانتظار .. في حين ادهشتنا لغة متفجرة مضطردة بنموها ومنزاحة بشكل مدهش كما هو مذهب النصوص الشعرية المحدثة دون المساس بقدسية السرد ومنحاه العام .. انتظار المجهول أو المهم والعصيب شيء فظيع كحلول الموت أو كارثة من الكوارث ، أو الانتظار المرير للأم أولادها حتى يكبروا وتطمئن انهم خارج دائرة الخطر
(وضعتُ صغاري في جيبي)
استخدام كلمة (جيب) له مدلول غاية في الاهمية وغاية في الروعة ، حيث ان أصل الجيب هو الحفاظ على اشيائنا من الضياع ، وهنا المفارقة جليّة من خلال الربط مع حرص الأم على سلامة ابنائها من الضياع أو الموت ولو بدفع ثمن باهض (قفزتُ فوق حدود الخطر ) اذ يشير القفز هنا الى الفرار مع المحافظة والتمويه بهدف النجاة
وانقاذ الاحباب .
إنّ النجاح في الإيحاء للآخر بمعنى أو مفهومٍ معيّن هو الذي يجعل المكتوب في نقطة المنتصف مابين المفهوم واللامفهوم .
وجود الخطر امر مفهوم ومستوعب ، في حين القفز والمغامرة على حدوده أمر غير مفهوم او عقلاني اذا ماارتبط بالمغامرة البحتة غير الهادفة .. لكن ارتباطه بالامومة له مسوغاته التي تجعل من هذه المغامرة أمراً ضرورياً بل واجباً انسانياً تفرضه فطرة الأم لدرء الخطر عن صغارها ، ومنه ديمومة الحياة !
مايثير في هذه القصة من الناحية المعرفية انها لاتتعامل مع مفاهيمنا الواضحة بالطريقة المباشرة ، انما تحاول ان تزرع في عقولنا تصورات ومعانٍ جديدة حول نفس المفاهيم ، (سكنتُ البرج) قد تشير هذه العبارة الى القمة وذروة الاخلاقيات والتعامل الانساني أو الى الابتعاد باعلى نقطة عن عبث البشر والا فما جدوى المغامرة بالسقوط نحو الهاوية طالما ان كل شيء في الاسفل على مايرام !.. ومنه توجيه اصابع الاتهام للمجتمعات التي باتت تتخذ من العنف نهجاً لها للاستمرار بطيب العيش ، وعلى أرض الواقع بتنا نرى جلياً تقافز الأمهات وجريهن بابنائهن خارج مناطق الخطر .
(جديلتي سلّم أقدامهم) فيها تجلٍ واضح وتأكيد لعبقرية الناص في صنع قيمة فنية معتبرة لنصّه لان زرع هذه العبارة الوصفية في هذه اللحظة بالذات من تنامي الحدث دون ان يؤثر ذلك على التكثيف والاختصار ، بل اضاف الى الروعة روعة .. لهو قمة الابداع الفني والمقدرة على طرح الافكار برؤية مختلفة وجعل الآخر منصاعاً بلا هوادة لجمال المقروء من خلال الجِدّة والبحث في المجهول .
هنا يتبين جلياً ماذكرناه على لسان رولان بارت فيما يخص لذة النص .
(قصصتها حين اكتمل ريشهم) تحمل هذه الخاتمة دهشة جديدة ومفارقة اخرى بما يمكن ان نطلق عليه (مفارقة انعكاسية) بمعنى قص جديلة الأم بمقابل اكتمال ريش الابناء مع التأكيد الى ان الريش هنا اشارة الى صلابة عودهم واكتمال بنية اجسامهم
لا الى جناح الطائر كما تشير الكلمة بمعناها السطحي .
فيما يخص العنونة (ولادة) ففيها ارتباط قوي كما هو معروف بالأمومة وقد اختارت الكاتبة هنا ان تجعل للنص مفتاحاً اخر للولوج الى خباياه كنوع من الدعم والهبة المعتبرة للمتلقي لترسيخ مفهوم الاستيلاد أو التبني بمفهومه كوسيلة وحيدة لانقاذ العالم من تشرده ونشوب الحروب والنزاعات بمختلف انواعها ، فنحن اذا احترمنا اصولنا احترمنا فروعها التي نمثلها فلا نهيل تراب القبور فوق رؤوسنا .
فيما يخص اللغة والاختصار نحتاج هنا الى مفهوم استدلالي اؤمن به شخصياً هو مفهوم مسك العصا من الوسط وبلوغ نقطة الصفر بحصول التوازن التام في عناصر القصة القصيرة جداً الاساسية (الثيمة،اللغة،التكثيف، الاختصار) بحيث لايتفوق احدهم على الآخر ويبدو النص كقطعة نسيج متناسقة .. في هذه القصة نجد توازناً ملفتاً بين روعة الثيمة وقوة اللغة التي جاءت منزاحة بكل جملها تقريباً ومنفتحة على معانٍ واسقاطات متعددة قد يعجز قلمنا عن حصرها باختلاف الذائقات وتعدد الثقافات .
قبل الختام نرفع القبعة لصاحبة النص المبدعة جمانا العامود ونبارك لها فوزها المستحق ودعاءنا لها بدوام الابداع .