للكاتبة حورية داودي
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
كم هو جميل أن نعيش تلك الحالة الشعورية العاطفية الوجدانية العميقة بكل حذافرها؛ من ألفها إلى يائها،بحلوها و ُمِرها، بكل أبعادها، بالطول و العرض و العمق، و الأجمل من ذلك أن تنتهي نلك الحالة الشعورية الراقية إلى عقدا متين لا يفسخه إلا الموت أو ملك الموت، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، خاصة إذا أرادت السفر شرقا تغربها الرياح.
النص يدور في هذا الفلك، يحوم حول هذا المعنى أو هذه المعاني العميقة دون الذهاب إليها مباشرة، دون عرضها بأسلوب خبري مُمِل، بل اختار أسلوب التلميح و الإيحاء والإشارة والعزف على وتر الوسطية في السرد القصصي القصير جدا ، و المكثف دون الاخلال بالمعنى المراد ايصاله للقارئ .
المعاني كثيرة، و هي بين التصريح و التلميح، بحيث لا غموض فيها لذهن القارئ الحصيف، لا يكشفه تماما بحيث يصبح مفضوحا أو مكشوفا، و هذا رغم ما يظهر على سطحه من غموض، لكن سرعان ما ينقشع بعد إعادة قراءة النص المتعمقة، فيطفو المعنى من العمق إلى السطح، و يحدث ذلك الكشف الجميل الذي يثير عاطفة و احساس القارئ، فيلمس ذلك الجمال الرائع، و ينعكس كالشروق في جوفه العميق، و يعتبر هذا الأسلوب من أرقى أساليب كتابة القصة القصيرة جدا، نظرا لِمَ فيه من تجديد في طريقة العرض القصصي الفني الحداثي الراقي الذي ثار على الأسلوب القصصي القديم، زد على ذلك تناسق الجميل الذي يربط بين جُمل السرد القصصي المكثف و المتسلسل بطريقة متناغمة، التي تدل على حنكة عالية في كيفية نسج ذلك الفضاء القصصي المحكم البناء الشامخ الإنشاء، ولم تغفل صاحبة النص أن تمنحنا مفاتيح نفتح بها ما أغلق من المعنى التي في ظهرها مغلقة، هكذا لا تقع في فخ الابهام و التلغيز المشفر.
و قد دعتنا صاحبة النص إلى وليمة دسمة المعاني، سكرية المذاق،فيها متعة للنفس الراقية،و ما على القارئ الموهوب إلا حُسن التناول بشهيته المتعطشة.
و هذه الوليمة عتبة جميلة كعنوان لهذا النص الأدبي، لفتح شهوة القراءة وتقصي المعنى العميق، فمن البداية و القارئ يتساءل عن ماهية هذة الوليمة، هكذا يقى ذهنه مشدودا و فكره مشغولا بها .
المفارقة هنا بين الواقع المُر و الخيال الحلو، تصور لنا ذلك الصراع الرهيب الشرس الذي احتدم في حلبة شعور بطل القصة، و هو يرى نفسه يسقط و يهوي إلى ذلك المكان السحيق الذي يدري أنه لن يستطيع الخروج منه اذا وقع فيه، و في الأخير يصرح لنا أنه وقع في الوهم الذي يشبه السراب، و الجميل في هذا النص أنه لا يتركنا نمسك و ندرك المعنى الحقيقي للنص ، و هذا ما بثير في القارئ الرغبة الملحة في التنقيب عن المعنى المختفي خلف الكلمات التي كلها ايحاءات جميلة، فمن جهة نفهم أن بطل القصة وقع في قصة حب عان منها الكثير و في الأخير انتهت بذلك الفراق المحتم و الانفصال المؤكد الذي أورده تلك التمزقات الداخلية، ليتأكد في الأخير أنه عاش ذلك الوهم، ومن جهة أخرى يمكن أن نفهم أن تلك العلاقة العاطفية انتهت برباط شرعي و عرس جميل، و الدليل على هذا استعمال هذا التعبير ( تعالى الدف و الزغاريد) التي توحي بالفرح و البهجة، و هذا ما شكل لنا تلك المفارقة مباشرة بعد استعمال تعبير ( استفاق من مأتمه) و كأن بطل القصة كان في حلم يقظة و استفاق فجأة منه ليجد نفسة في مأتم، و ما تحمله هذه الكلمة من سلبية و قتامة و تشاؤم، ليدهشنا النص في الأخير، و أنه صاحب شخصية سلبية و هشة لأنه استسلم بسهول للوهم الذي وقع فيه، و أنه مسلوب المقاومة و متجرد من كل سلاح معنوي و ذلك بعد كل تلك القصة التي نخرته الى العمق و هدته من الأساس، و نلاحظ هنا تلك النقلة السريعة في القص التي أشعلت شرارة المفارقة ، و جعلت النص يلهب معانيه و يصل إلى ذروة العقدة.
و في النص تراكيب لغوية راقية، وصياغات أدبية في منتهى الجمال،و صور بلاغية ملفتة للنظر تمكنت صاحبة النص من دمجها و ربطها جيدا لتجعل القارئ مبهورا أمام هذه اللوحة الفنية الكتابية المتدفقة بالجمال.