للكاتب مختار أمين
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
بداية من (العنوان) خارج الحدود \ الغارق في الرمزية، وكل انزياحته تتجمع في البعد الجغرافي، وإن كنا لا ندري أى حدود يتكلم عنها “الكاتب” ؟.
حدود النفس ؟.
أم حدود الذات؟.
أم حدود الوطن ؟.
أسئلة نحملها بشوق، ونطرق باب القصة برفق حتى نتلمس تلك الحدود التى وضعها “الكاتب” بعناية فائقة لتكون الرمزية {واللغز} في السرد حتى نتحد مع فكرته .
ونجد “الكاتب” منذ “بداية الاستهلال” للقص يأخذنا إلى الأعمق في فن الرمزية…
((تماسكت .. شدت على يدي بقوة رغبتها في الوصول، ضممت اليدين في نفس تمسكها أبحث أنا الآخر، سألتني عيناها نفس السؤال الذي طرحته عيني.))
من تلك التي \ تماسكتْ \؟.
هل هى النفس ؟. أم الرفيقة ؟. أم الحبيبة ؟.
فكل هذه الدلالات تنسحب على تلك الأسئلة، وكأن “الكاتب” يوقد داخلنا شمعة تصهر نيران التثبت لمعرفة الحقيقة.
ثم يستطرد بأسئلة أعمق !.
\ شدت على يدي بقوة \
وهنا يصر “الكاتب” على الاستغراق في الرمزية ربما لشحذ همتنا لإعمال عقولنا لكشف اللغز بأنفسنا؟. ولا أظن !
بل يريد أن نلتصق بما يقصه علينا لكونه ذات أهمية.. بدلالة ذلك التركيب اللغوي …
\ شدت على يدي بقوة \\ بقوة رغبتها في الوصول \
الوصول إلى ماذا ؟. ودلالة الشد على اليد, وما يعنيه من خوف أو رهبة أو إشتياق .
ثم يأتي بعلامة (،) التى تعني الوصل بين الجملتين …
((تماسكت .. شدت على يدي بقوة رغبتها في الوصول، ضممت اليدين في نفس تمسكها أبحث أنا الآخر)) .
وهنا نلاحظ الإجابة التي جاء بها “الكاتب” \ ضممت اليدين في نفس تمسكها أبحث أنا الآخر …
إجابة غارقة في التلغيز أكثر من الإفادة مستخدما الفعل الماضى ـ ضممتُ ـ وما يصنعه من حركة مستحبة في هذا الجنس من الأدب، ونقف أمام التركيب والصياغة التي تعتمد على الترجيع …
\\ ضممت اليدين في نفس تمسكها \ تمسكها أبحث \ أبحث أنا الآخر، \ سألتني عيناها نفس السؤال \ السؤال الذي طرحته عيني.
فمن هذ “الاستهلال” الذي جاء به “الكاتب” وضعنا في حيص بيص، وهو سلاح ذى حدين.. إما نترك النص لوعرته، أو نمضي معه اكتشاف قيمته الفنية ؟.
ثم يكمل لنا “الكاتب” البداية بنفس نمط السرد الذي تخير مفرداته، وتركيباته اللغوية المتفرد بها، والتي تتطلب من القارئ حصافة كالتي عليها “المبدع” وكأنه يقول : الكتابة العميقة التي أجتهد فيها تستحق على المتلقي الاجتهاد أيضا في تناولها ولننظر إلى مقطع نهاية البداية …
((كان وجهها أرضاً جف فيها الماء، سوى شخوص العينين يستدعي كل الأمور بلا حرج، شعرت بثقل رأسها على صدري.
عبرت بنا السيارة المارقة الحدود، كانت العجلات تخفي الطريق خلفنا وتبدد شيء ما في صدرينا.. عبرنا آلاف الأميال من الصحراء، لم تلمح عيوننا اخضراراً أو تسمع خريراً، ثمة دهشة تتراكم على الزجاج الأمامي في تكثيف يمحو الرؤية.. )).
وهو في ذلك المقطع يحدد المسرح الكامل، ويرصد الأحداث التي يمكن أن تنسحب إلى أشياء عديدة ..
\\ كان وجهها أرضاً جف فيها الماء \\
وجه من الذي يشبه الأرض التي جف قسها الماء ؟؟
هل هو وجه {الراوى} ؟.
أم وجه أم الرفيقة ؟. أم الحبيبة ؟.
أم وجه تلك الأرض الخارجة عن الحدود ؟.
ثم يأتي “الكاتب” بجملة {ثانوية} توسع رقعة السرد، ولا تنقل حركة وتتابع السرد، وهذه الجمل مستحبة الإتيان بها في {القصة القصيرة}
\\ سوى شخوص العينين يستدعي كل الأمور بلا حرج \\
وهذه الجملة تصف استغراق البصر في الطبيعة الجغرافية المحيطة، واستدعاء مقدرة الخالق في خلقه …
ثم تتكشف لنا الصورة, وحسب النسق الثابت الذي يفرض على “المبدع” توصيف الخط الدرامي والشخوص، ونوع الصراع في ” البداية” …
ونعلم أن {البطل والبطلة} عبرت بهما السيارة الحدود، في رحلة، كعجلاتها وسرعتها تطوى الطريق والصحراء, ولم تلمح عيونهما اخضراراً أو تسمع خريراً، وتبدد شيئاً ما في صدريهما، غير أن الدهشة والشوق لتلك الرحلة ؛ تتراكم على الزجاج الأمامي للسيارة، في تكثيف يمحو الرؤية.
ثم ينتقل بنا “الكاتب” إلى منطقة {الوسط} بالقصة القصيرة التي تحمل الصراع والفكرة …
((بكت .. حملت رأسها على كفيها، انفلت العجز مني، لملمت عينيّ عنها، تعثرت في القيادة وقاومت حتى دخلت السيارة حدوداً أخرى.
حيث أناس آخرين، نفس العمامة على الرأس التي يختلف شكلها ما بين الرجل والمرأة، نفس الجلباب والسراويل، ووجوه الحليب وصفاء سمائها، وأمل يتصاعد من بين الثغور والأسنان البيضاء.
احتفال بهيج .. مئات الأيدي ممتدة.. متماسكة، تطوف الأجساد حول الحلم الماثل أمام الجميع، ورحيق البسمات يشكل لوناً يميز المكان، حيث تخرج الأرواح وتسبح عبر الأثير وتدور قرب الآذان.. تنفخ فيهم.. تشرق الوجوه من جديد وتتحد في النور المنبعث من الحلم.)) …
بنفس أسلوب السرد المتنامي الغارق في الرمزية يرسم لنا “الكاتب” المشهد وكأنه يحمل كاميرا سينمائية …
واصفاً مخاطر الرحلة الخارجية للطبيعة الوعرة التي يجتازونها من بلد إلى بلد، وكذا يصف الشعور الداخلى الذي يملأ الفؤاد من شوق واشتياق لإكتساب معالم ومواطن جديدة ؛ تغسل الروح والنفس، وتزيده معرفة ، وأشياء أخرى، ليس هذا وحسب، بل ذهب “الكاتب” الحصيف في رصد المحيطين بهما، ودلالة هذا التجمع، والغاية منه بإسلوب أدبي موغل في إبراز الهدف الأسمى من هذه الرحلة البرية، دونما يتعرض للخطابة أو الوصاية على المتلقي …
\\ احتفال بهيج \\ مئات الأيدي متماسكة \\ تطوف حول الحلم، ورحيق البسمات يشكل المكان بلون متميز \\ حيث تسبح الأرواح عبر الأثير \\ تشرق الوجوه \\ تتحد مع النور .
أى وصف هذا جاء به “الكاتب” إنه والله لوحة ربانية أجاد بها الرب عليه لنقاء السريرة، والإخلاص في العبادة .
ثم نعود إلى البناء القصصي السديد، والذي نرجو من الجميع الإحتذاء به، وأنا أولهم، ونأتي للخاتمة {النهاية} وما تحملة من نقاط تنويرية للفكرة التي دفعت “الكاتب” للكتابة …
((وقفت السيارة، وكان علينا استئناف المسير سيراً على الأقدام حتى نصل إليهم، في لهفة تلاقت أيدينا في أمل مثير، وازداد التمسّك، وروح كل منا تسبح مع الحلقة، يشق فينا النور خرير الأرض الجافة على وجهينا، وتمر الساعات حتى تنتظم الدورة ويتغير نبض القلب، وتنتعش الأرواح، وترتوي الأجساد، وتتضرع الوجوه إلى السماء ليحمل القرص الغائب في الأفق الأدعية..
في الليل تحمل البطون بالأمل، وعندما ظفرنا بنتيجة البحث عن المفقود تلاقينا مرةً أخرى يغمرنا النور وفكرنا في العودة بحملنا.)) …
وتلاحظون معي الدلالات وراء الجمل المستخدمة التي ترسم خط النهاية..
\\ وقفت السيارة، وكان علينا استئناف المسير سيراً على الأقدام حتى نصل إليهم .
وهنا إشارة إلى فرضية هذه الشعيرة من شعائر الإسلام ألا وهي الكد والتعب، واتباع السنن الصحيحة.
ثم نقف للحظة أمام جملة { حتى نصل إليهم} ونسأل : ــ
من هم الذين يريدان الوصول إليهم ؟.
هل هم جموع الحجيج ؟.
أم الأبرار منهم ؟ الذين يعودون إلى يوم ولدتهم أمهاتهم ؟.
كل الأسئلة تنسحب على تلك الجملة التي تتضح من أسلوب “الكاتب” البارع في تحريك عقل المتلقي والقارئ للبحث مقصد “المبدع” من كل جملة يخطها قلمه الواعى لما يكتب .
وها هو “الكاتب” يجيد في سرد النقاط التنويرية التي أراد توصيلها للقارئ بأسلوبه المتميز بعيدا عن الطنطة، والوقوف على منبر الوعظ والإرشاد في الجمل المتتابعة الأتية : ــ
\\ في لهفة تلاقت أيدينا في أمل مثير.
\\ ازداد التمسّك، وروح كل منا تسبح مع الحلقة.
\\ يشق فينا النور خرير الأرض الجافة على وجهينا .
\\ تنتظم الدورة ويتغير نبض القلب \ تنتعش الأرواح \ ترتوي الأجساد.
\\ تتضرع الوجوه إلى السماء ليحمل القرص الغائب في الأفق الأدعية.
\\ عندما …
\\ ظفرنا بنتيجة البحث عن المفقود .
\\ تلاقينا …
\\ يغمرنا النور …
خالص تحياتي للأديب الكبير الأستاذ \ مختار أمين.. على هذا القصة القصير الباذخة، وتلك اللغة الرشيقة الممتعة، التى جعلتنا نهيم معه خارج حدود الزمان والمكان .
والله ولى التوفيق.