بعدما قبضَ بكفهِ على الجنيهاتِ الشهريةِ ودّعَ صرافَ الخزينةِ وهو يضعُ على ثغرهِ ابتسامةً حملتْ في تقاطيعِها كلَ علاماتِ الحيرةِ، غاصتْ أقدامهُ وسطَ أقدامِ السيارةِ في الشارعِ الطويلِ بينما كانتْ عيناهُ الواسعتانِ تحدقُ في واجهاتِ المحلاتِ المتراصةِ على جانبيِ الشارعِ كاللؤلؤِ المنثورِ الذي استعصى عليهِ الاقترابَ مِنْهُ منذُ أن جالَ بخُلدهِ استبدالُ حذائِهِ المُهترئِ، تبسمَ ضاحكًا حينما شيعهُ صوتُ زوجتهِ وهو يركضُ مسرعًا في صباحِ هذا اليومِ وهي تقولُ لهُ:
-يا محمودُ
“النهاردة القبض، اوعَ تنسى الفستان اللي وعدتني بيه”..
اقتربَ من أحدِ المحلاتِ، اصطدم رأسُهُ في زجاجِ واجهةِ المحلِ وهو يحاولُ النظرَ مليًا في الأحذيةِ القابعةِ على الألواحِ الزجاجيةِ، رجعَ برأسهِ إلى الخلفِ قليلًا وهوَ ينظرُ حولَهُ ليرى هل هناكَ من أحدٍ قد شاهدَ رأسهُ وهو يرتطمُ بزجاجِ المحلِ، وقعتْ عيناهُ على الفتاةِ الجميلةِ، صاحبةِ النهدِ النافرِ، و الهندامِ الأنيقِ، والتي تحفزُ الزبائنَ على الشراءِ بكلامها الرقيقِ، وابتسامتِها الساحرةِ، غاصَ في عالمٍ آخرَ وهو يستمعُ لحديثها وهي تجيبهُ عن سؤالهِ عن أحدِ الأحذيةِ، لم يخرجهُ من شرودهِ إلا وهي تستأذنهُ في الانصرافِ حينما استدعاها صاحبُ المحلِ لتوزعَ ابتساماتِها على بعضِ الزبائنِ الَّذينَ قرروا شراءَ الأحذيةِ، مضى من أمامِ المحلِ متثاقلا تحتَ أشعةِ الشمسِ التي تبحثُ عن مخدعِها، استوقفهُ محل الملابس الحريمي وذلك الفستان الذي وعد أمس زوجته به، وحينما وقعتْ عيناهُ عليه سرعانَ ما ولى نظرُهُ شطرّ حذائهِ المهترئِ، تكوّمَ في عقلهِ تلٌ من الأفكارِ، سحبهُ من رمالِها الجارفةِ صاحبُ المحلِ وهو يقولُ له:
..اتفضلْ يا بيه تحت أمركْ-
شكرهُ.. ثم أدبرَ وهو يُمني نفسهُ بذلكَ الحذاءِ الأنيقِ والذي إذا ما وضعَ قدميْهِ فيهِ فكأنما وضعَ قدميهِ في واحةٍ خضراءَ سوفَ تبهرُ عيونَ الناظرينَ، أغمضَ عينيهِ ثم فتحهما على حذائِهِ القديمِ، تمتمَ في نفسِهِ:
..-العينُ بصيرةٌ واليدُ قصيرةٌ
تبسمَ في نفسِهِ حينما سيطرتْ عليهِ الأحلامُ مرةً أخرى، مشى مسرعًا نحو محلِ الأحذيةِ بعدما ازدادتْ جذوةُ شغفهِ بالحذاءِ، استقبلتْهُ الفتاةُ بابتسامتِها الأخاذةِ..
تمتمَ في خجلٍ وارتباكٍ:
..-ولكنَّ سعرَها غالٍ جدًا
باغتتْهُ الفتاةُ:
..المحلُ كلهُ تحتَ أمركَ يا باشا-
بابتسامةٍ مقتضبةٍ انساقَ نحو إغراءاتِ الفتاةِ، فركَ جبينَهُ بعدما أحصى الراتبَ الذي يعرفُ مقدارَهُ قبلَ أن تتناولَهُ يدُهُ، بلعَ بصعوبةٍ بالغةٍ ريقَهُ، اجتاحَ عقلَهُ طوفانٌ من القلقِ، والترددِ، بادرتْهُ الفتاةُ والثقةُ تملأ ابتسامتَها..
..تفضلْ-
ناولتْهُ الفتاةُ الحذاءَ الجديدَ بعدما نقدَها الثمنَ، ارتجفتْ يدُهُ حينما اجتاحتْهُ هزةُ فرحٍ عنيفةٌ، اعتلى الرصيفَ الممتدَ على طولِ الشارعِ وخلعَ حذاءهُ القديمَ، وارتدى الحذاءَ الجديدَ وهو ينظرُ نحو المارةِ، مشى يتبخترُ، تسوقهُ عاصفةٌ جارفةٌ من الفرحِ والسرورِ الروحيِ، طرقَ بابَ شقتهِ، استقبلتهُ زوجتهُ وحينما لم ترَ شيئا في يديهِ سألتهُ:
-أنتَ قبضتَ يا محمودُ؟؟
هزّ بالإيجابِ رأسهُ وهو ينظرُ إلى الحذاءِ..
باغتتْهُ قائلةً: طيبْ فينْ الفلوسْ؟؟
وحينما ناولَها ما تبقى، قالتْ متسائلةً:
-فينْ باقي المرتبْ؟؟
ردَّ مبتسمًا وهو يركضُ نحو غرفتِهِ:
لقدْ سرقَهُ بائعُ الأحذيةِ…

أضف تعليقاً