لسعتهُ الريح ، هبَّ كالمجنون ، رفع َ يدهُ عالياً يعاهد النجوم السماء الليل أن لا تدخين بعد اليوم ، مشى فوق تخوم الذكريات وبدأ يتأوه من بعيد ، زوبعة ظهرت في داخله لتقتلع الحزن العميق. ابتسامة خفيفة عكست أنه يهزأ من العالم كله ، فجأة تناول سيجارة ثانية ، ثالثة ، موجة عنيفة ضربته نحو العمق ، تذكر حزن عينيها صوتها الفيروزي ، عرّش فوق ذكرياته ، اخترقته الظلمة من كل جانب ، تسكعَ في طرقات الماضي، دخل في سرداب زمنٍ مجهول ، اضطرب كيانه ، استرخى قليلا ، ثم حمل همومه وانطلق في مسيرته.
عيّن في إحدى المدارس البعيدة ، وصل في المساء ، نظر في العتمة ، كانت تبتسم وتشد على يده ، كان يريد أن يغيّر وجه الأرض ، أن يسحق جبلاً ، أن يلغي كل المنحدرات ، كانت رغبته عنيفة ، لكنّ المصباح شعر بالنعاس وصار يهذي ويرسم غيمة سوداء.
بحث عن المدرسة لم يجد إلا ستة بيوت منتشرة في أرض شاسعة ، صافح العيون التي هللت بمجيئه ، إنه أول معلم يصل لهذه القرية بعد إحداث صف دراسي . سأله أحد التلاميذ كم دفتراً سنشتري ؟ ابتسم في وجهه وتذكر أنه يوما اشترى دفتراً وكتب عليه عصارة روحه وقدمه هدية متواضعة لها ، بدأت تبكي ، سعى لاهثاً يلملمُ أجزاءه في خضم الحياة القاسية ، مشى تحت المطر ، كانت تمشي بجانبه ، قال لها مداعبا ً : عندما قبلت الليل كيف رسمت القمر بهاتين الشفتين ، ابتسمت واختفت فجأة ، قدموه على طبق الواقع فالتهمته الحقيقة باسمة ، لاحظ أن الطريق طويل تناول سيجارة ومضى في طريقه.

أضف تعليقاً