كنت كغيري من أمثالي قد قرأت للعقاد -رحمه الله- في سن مبكرة أحسبها تعود إلى المرحلة الثانوية وما بعدها، عندما نزلت سلاسل كتب العقاد بالمكتبات في كلّ حي. وظننت مثلما ظنّ أمثالي في ذلك الوقت أنّه فهم عن العقاد مراده، وأنّه أفاد من لغته وأسلوبه وأفكاره، ورؤيته الوجودية، وكيفيات تعامله مع النظريات الغربية، واستثمارها في قراءة التراث الإسلامي. لكن شيئا من هذا لم يحدث. فلم يكن لنا من العقاد إلا بعض ما وقر في النّفس والذهن، وسرنا به في مراحل العمر، ونحن نحسب أن العقاد هو ذاك الذي عرفنا وفهمنا.
عدت إليه أبحث عن خالد بن الوليد رضي الله عنه. بعدما طوّفت بين كتب التاريخ والسّير قليلا. بأسلوبها المعهود لدى الإخباريين الذي يعرضون الأحداث في شكل مرويات، ثم يتجاوزونها إلى غيرها دون نقد أو تمحيص. فإذا بي أجد خالدا مختلفا.
أوقفني العقاد رحمه الله، مع الإنسان في جاهليته وإسلامه. وأوقفني مع القبيلة في أحوالها واعتقاداتها، والتحديات التي تضطرم في صلبها أولا قبل أن تكون في غيرها من القبائل. ومع شخصيات لم أربط بينها وبين خالد من قبل صلة دم أو قرابة، فإذا هي شخصيات لها تأثيرها وحضورها في أحداث البعثة المحمدية. وأوقفني العقاد، مع خالد، الإنسان المسلم الذي أسلم وجهه لله، مجردا سيفه لنصرة دينه، سائرا في دروب الجهاد ليلا ونهارا، منجدا في الصحراء، أو متخللا للمضائق والجبال. وأوقفني العقاد، مع القائد الذي لم يكن له إلا وجه الأرض وتجاعيدها يقرأها ويتفرس في رسمها، وخبرته بالقبائل وحراكها في الظعن والإقامة. يحسن معرفة رجالها ومناقبهم، وعزمة تدفعه لأن يصنع من القلّة قوّة لا يستهان بها، ومن الثبات صورا أسطورية من الغلبة والنصر تسجل في صفحات التاريخ.
كل ذلك في أسلوب موسوعي رائع جدا، لا تقرأ سطرا إلا وأنت واجد فيه ما يُمتعك، ويُدهشك، ويفتح عقلك على السؤال الذي لا ينتهي عند حدود الروايات، بل يتعاداه إلى تصوّر المواقف في جملتها. والعقاد من ورائها يُقارن، ويُمثّل بما هو كائن في الحضارات الأخرى، جار في ثقافاتها. وجدت السّرد الذي يبني الوقائع بناء ممتعا متكاملا فإذا هو روايات محبوكة، ووجدت الخواطر التي يتبادلها مع بطله خالدا سرا وعلانية، فإذا هي نصوص دقيقة، تتخلل النفس، والعقل، والقلب، ووجدت الأسئلة التي تنحو منحى فلسفيا في إصرارها على الفهم، وأخرى فقهية في بحثها عن الجائر والمحظور، وثالثة ترد على المؤرخين رواياتهم بما يدفع الوضع والتدليس… وجدت ما لم تره العين من قبل من أثر الفكر المطلّع المحيط.
نظرت حولي إلى فقر أبنائنا الطلبة وهم يُحرمون من العقاد وأمثاله في نصوصهم وقراءاتهم، ويصرفهم بعض الأساتذة والمربين نحو مؤلفين لا يحسنون لا جمعا ولا ترتيبا، ولا يتمثلون ما في تراثهم من خيرات، قبل الهرولة إلى ما في أيدي غيرهم من النظريات والمفاهيم..
سأقرأ موسوعة العقاد.. وأدعو من يجد العزم في مشاركتي القراءة، وتبادل الرأي ومناقشة ما نراه مهما، قمينا بالمناقشة..
- قررت أن أعيد قراءة العقاد… ماذا وجدت
- التعليقات