أخيرا… مطار “شارل دوغول” العظيم..بساحاته الواسعة و ممراته الطويلة و لوحاته الإلكترونية العجيبة..بين عربي وأعجمي،بين أسود وأشقر، و بيض بعيون غريبة ،كنت أنا القروي القادم من أرض الروث و الحِظار،أتأبط حقيبتي أحملق في الوجوه ببلاهة ،لا أحد ينظر إلي،لا أحد يكلمني ، لا أحد يهتم و كأني خيال يمر بهم فلا يشعرون..تيارات البشر لا تسكن بين داخل و خارج شققت طريقي على مضض نحو الخارج ، حيث اصطفت سيارات الأجرة الأنيقة،أومأ لي أحدهم فاتحا الباب ،حانيا رأسه،أحسست بشعور غريب و أنا أتربع على الكرسي الخلفي وحدي ،لا أحد يزاحمني،لا رائحة عرق و لا جوارب تزكم أنفي..عطر شذي أخاذ داخلها تتمنى لو تنام بهدوء..السائق الوسيم تبسم لي و هو ينظر إلي من مرآته الأمامية و قال بصوت هادئ:
-«où voulez-vous aller monsieur »
لم أفهم لكني تصنعت الفهم و أجبته بابتسامة بلهاء دون أن أنبس ببنت شفة، أعاد السؤال مرة أخرى و نفس الابتسامة ملتصقة بوجهه.ظهر الاضطراب على محياي و أدركت أني في مأزق، شعرت بجفاف في حلقي و شرعت أفرك رأسي باحثا في ذاكرتي عن كلمة فرنسية تنقذني..فجأة صرخت :
« Tour Eiffel »
و كأني نطقت بالكلمة السحرية، انطلقت السيارة تشق جموع السيارات التي دبت على الطريق دب النمل..قلب باريس..هاهي ذي مقاهي “الشانزلزيه” حيث فنجان القهوة بطعم الترف..حيث لا يحلم أمثالي بمسح أحذية السادة..فاغر الفم، مشدوه النظرة أطالع من زجاج النافذة، دنيا ثملة بالترف، الأضواء تشع من كل مكان و كأنها النجوم سقطت من السماء، بنايات تعانق السحاب، شوارع فسيحة مشحونة بالحركة، لا ضجيج سيارات و لا أبواق باعة متجولين، و لا صخب.. السماء ترمي برذاذ طيب يغسل شوائب القلب..يا إلهي ما تلك الفتيات الرشيقات،ما تلك العيون الزرقاء و ما تلك السيقان الطويلة التي تعاند قسوة البرد..!!والشعر الذهبي المرسل فوق أكتافهن تتراقص خصلاته على إيقاع الهواء الصاخب…اللعنة عليك يا “زبيدة”..كنت المخدوع فيك حين ظننتك أجمل النساء صرت أشك الآن أن تكوني من النساء.. !!
توقفت السيارة وحطتني كسلعة مهربة و انطلقت كالسهم و غابت في زحمة الطريق ..يا رب السماوات و الأرض برج “إيفل” بقامته الهيفاء يلوح لي تتلألأ به أنوار خافتة، شعرت بقلبي يخفق بشدة و تسمرت في مكاني- أظنني حبست أنفاسي للحظات- إنه هو.. نعم هو.. برج “إيفل” الذي ما شاهدته سوى على أوراق المجلات التي كان يلف لي بها العم حسين حبات الحمص حين كنت التقي زبيدة على ضفاف النهر..نعم هو.. كومة حديد هوت إليها الأفئدة..مفخرة فرنسا و أوروبا..بدت قمته كرأس قلم على صفحات الغيوم الداكنة يكتب تاريخ فخر، و حكايات..تحتضنه أشعة الشمس الناعسة..أسراب البشر مكدسة عند المداخل و كأنها ساعة الحشر..يدفعون أموالا ليعتلوا القمة و كأن هناك جنة الفردوس.. فضاء رحب أخضر يحيط به، صبيان ظرفاء يركضون هنا و هناك، تشجعت و اقتربت ،جلست القرفصاء على البساط الأخضر والعيون من حولي تفترسني.أحسست بالجوع يقرص جنبات معدتي فأخرجت سندويشا بائتا من حقيبتي تناولته بنهم ..تجشأت فاتكأت على العشب أنشد غفوة.بالقرب مني شقراء بعيون عسلية تطالعني باهتمام،تبتسم بين الحين و الأخر و هي تحرك أصابعها على صفحة هاتفها، ثبتُ نظراتي عليها أراقب حركاتها و سكاناتها على وجهي ابتسامتي المعتادة..فجأة هبت ريح خفيفة فطارت قبعتها الصوفية لتستقر أمامي ،أمسكتها و أن أتطلع إليها و أتلو دعوات في سري أن تقترب مني لأشم لثواني عطرها ..قامت و مشت بخطوات صغيرة نحوي .. بلغتها الفرنسية الهادئة أسكرتني، فثملت من عطرها، تحوّلت دقات قلبي إلى طبولٍ تهز صدري من شدة قرعها.. تقترب مني يزيد النبض.. أشعر بأنفاسها تترد في أذنيّ..تقترب أكثر.. اعتليني الحمرة..أغمضت عينيّ ..شعرت بشفاه تلثم خدي و تلثم..و رائحة مألوفة عبّقت أنفي فجأة فتحت عينيّ ببطء شديد ..كانت النعجة اللعينة تلثم وجهي باحثة عن التبن العالق به… فركت عيني غير مصدق و إذ بالديك فوق رأسي يصيح معلنا آذان الفجر.. !
- قروي في باريس
- التعليقات