نصف قرن ،مر كلمح البصر ، تشظى على جدار الذاكرة ٠٠٠حلم ٠٠٠يقظة ٠٠٠ غيبوبة طويلة ، كيف مرت سبع وأربعون سنة ، كيف انقضت ؟ لاأدري ٠٠٠ سؤال أطرحه على الذاكرة ، ربما تجيبني إذا لم تصبها ثقوب الزمن !
يوم الاثنين 10 أبريل 2017 ! يوم ربيعي رائع جدا !
إلى مسقط رأسي ٠٠٠ إلى هضاب الفوسفاط ..إلى وادي زم ٠٠إلى مدينة الشهداء ، لكن تعرج سيارتي تلقائيا إلى مكان بقي منقوشا على جدار الذاكرة طيلة نصف القرن هذا ٠٠٠
استيقظ في لا وعيي ٠٠٠جذبني إليه ٠٠٠ اخترقت الدواوير التي عاث الزمن فسادا في بيوتها الترابية الملتصقة بتلك الروابي التي تحفها بساتين صبار شاخت وبدأت تتلاشى. أصل الى الطريق الرئيسية ٠٠٠ طريق طالما عبرناها زرافات ووحدانا ونحن تلاميذ ٠٠٠ أعود إلى مدرستي الاولى :
[مدرسة قصبة الاطرش ] تقع بعيدا عن وادي زم ببضع كلمترات من الجهة الشمالية .. وجدتني أمام بابها الذي خضع لبعض التغييرات٠٠٠ قدمت نفسي للحارس :
-أنا سيدي من قدماء تلاميذ هذه المدرسة !
رحب بي ٠٠فتح أمامي بابها دون تردد ٠٠ وألقاني في بحر من ذكريات جميلة ٠٠ لا زالت عالقة لكن فيها شيء من ضباب :
أوف …أوف ….تتحجر الدموع في عيني ٠٠٠ أبتلع ريقي . بصعوبة ٠٠٠ أخفي دموعي٠٠٠ يفضحني صوتي المتهدج ٠٠٠ مدرستي لازالت رائعة ٠٠٠ لم ينل نصف قرن من فصولها .. حيطان زال طلاؤها ٠٠٠ بإصرار تقاوم رطوبة الزمن ٠٠ وزليج بالأبيض والأسود لا زال يلمع ٠٠٠لا زال كل شيء كما تركته سنة 1970 !
هاهم جنون الأرض أمامي ٠٠٠ يمارسون شغبهم الطفولي الساذج ٠٠٠ يعيشون في ذاكرتي ٠٠٠ أتذكرهم لحظة لحظة ٠٠لم تغب عني أسماؤهم ٠٠٠ألقاب مقرفة نلصقها بظهورهم ننتقم من حبنا لهم .
صباغات خجولة هنا وهناك ٠٠٠ بنايات جديدة، لكن لم تؤثر على طابعها القديم ٠٠٠لم يكن يهمني كل ما هو جديد ومستحدث !
أسترجع الزمن الجميل الهارب ٠٠٠ أحكم عليه تلافيف الذاكرة وأحاصره بين الفصول ومنزل المعلمين :
-ها هو المعلم الأصلع يترجل من على دراجته النارية الصفراء ٠٠٠عشرة كلمترات طواها من المدينة إلى المدرسة يركنها ٠٠٠يتجه بخطوات صارمة نحو صف عسكري لتلاميذ مرعوبين خائفين ٠٠٠ الصف يستقيم قبل مجيئه ، ببضع دقائق بنظام صارم ٠٠٠ كلنا نتحسس القفا ٠٠٠نرتجف خوفا من صفعة مباغثة ، أو ركلة على المؤخرة، ويل لمن أخل بنظام الصف !
مرات ومرات يفعلها جبان في مداسه رعبا من ذلك المارد ! نؤدي ثمن غضب سخطه على تعيين ليس لنا فيه يد من أجسادنا الغضة والجائعة ، كل يوم يأتي ملفوفا في جلابيب كحبة بصل اتقاء البرد القارس !
نلج حجرة الدرس ، ورعشة الطائر المذبوح تخالج أجسامنا النحيفة ، بخط رهيب رائع يكتب على الجانب الأيمن من السبورة : تمرين في الحساب [ كسر الأعداد العشرية ] ساعة الحساب في يوم نعتبره يوم حساب ٠٠٠ عصا هذا المعلم / المارد لا تعرف الاستقرارأبدا ، تزور كل من يخطيء في فك شفرة هذا الحساب اللعين ، كنت أكرهه أنا وأخي عبد الكبير ، لكن كنا نتقن الحرف العربي ، مواضيعنا في الإنشاء كانت تحظى بالتشريف ،وتعلق على السبورة الحائطية . نبغنا في العربية ، فلقبنا زملاؤنا : شعراء الحمراء تيمنا بالشاعر بن إبراهيم ٠٠٠ كنا نتقن تحليل قصيدته الساخرة ( المطعم البلدي) ، لأننا كنا نجد فيها واقعنا المزري ٠
كان أخي شاعر الصف الخامس وكنت شاعر الصف الثالث فحظينا بحب المعلم دون أقراننا ، ثناؤه كان حلما عظيما بعيد المنال ، يجعلك تطير كفراشة جذلانة٠ ثناء المعلم ينفث في طموحك قوة سبعين أو ثمانين حصانا !
-ياه …ياه … ياه !
أقول لزوجتي وهي ترافقني رحلة ماض صار باهتا ،يخبو ويضيء من حين لآخر في الذاكرة :
هذا تيس أسود اقتناه المعلم في بداية الموسم الدراسي :
1970/1969، تعود علينا وتعودنا عليه٠٠ألفنا وألفناه ! يطل علينا من النافدة ، نعطيه قطع الطباشير في غفلة من صاحبه ، فيزداد إلحاحا في طلب المزيد ، و يملأ الفصل صياحا يغضب المعلم !
رائعة جدا مدرستي !
رائع خالي بوعزة [مول الحانوت ] ، وزوجته أمي جمعة -رحمهما الله -أروع منه بكثير، صورتهما عالقة بمسمار فولادي مغروز في ذاكرتي :
-نشتري منها زيتا بعشرين سنتيما . فتجزل لنا العطاء ! زيت خالي بوعزة أساسي في وجبة غذاء حاف ، نتناوله مع قطعة خبز يابسة ، بين القبور،كانت مقبرة الدواوير تلتصق بالمدرسة مباشرة ، قبل بناء السور الحالي الذي يكاد يخنقها ويحد من حرية التلاميذ ، أصبح يحجب رؤية الأطفال لدفن الجثامين الوافدة على المقبرة في كل حين ، كان الموت أمرا طبيعيا بالنسبة لأطفال لا تتجاوز أعمارهم أقل من عشر سنوات !
كانت مدرستي تحضن الجميع : الخف ٠٠٠الظلف ٠٠٠الطير ٠٠٠البشر .وكل من يعيش في محيطها ،أتذكر ( الموستاج [مول الطاحونة ] ذي الشارب المعقوف ) وهو يدير مطحنة الدواوير : مارد ، جبار يفتت حبيبات الشعير مناوبة بين الوافدين ، أقول الشعير لا القمح لأنه كان متوفرا فقط لأبناء اللصوص ، وخونة الوطن ، أما نحن الحرافيش : فحفنة من شعير قديم كانت حلما بعيد المنال !
(مول الطاحونة ):كنا نلقب ابنه ( بالشينوي ) كان أصفر اللون ، ضيق العينين ٠٠يشبه الصيني الأصفر٠٠٠ لكنه كان متوفر الخبز بمختلف الألوان ،ربما كانوا يسرقون طحين عباد الله أو هكذا كنا نتخيل !
وانا أتجول بين فصول مدرستي وألتقط صورا تذكارية رائعة ، رغبة مني في عدم إفلات هذا الزمن الهارب ، قدم رجل بجلباب أزرق داكن ، ممزق من الكم ، لكن الدم لا زال يكاد ينط من خذيه نطا ، مرت صورته أمام عيني كشريط سنمائي مهتريء :
صاح بفرح شديد :
– من أرى أمامي ؟ شاعر الحمراء ؟
-نطت دمعة من عيني .عانقته لم يكن هذا إلا صديقي القديم الذي أتذكره بالإسم ( غنواش ) هذا الرجل كان الحلقة الأضعف والمفقودة في مدرستي ، كان غريب الأطوار ولا زال كما عهدته منذ زمن بعيد، تغيير بسيط : ظهور بعض التجاعيد المحفورة على وحهه !
أرحل بعيدا أحفر طبقات ذاكرتي علي أعثر على أجمل ذكرياتي: أتذكر صديقي ( الحاج ) كان يكبرني سنا و مستوى كنا نلقبه ( ولد العسري )ذات مساء ، بعد خروجنا من الفصول للاستراحة ، قال لي مسخوط الوالدين :
– يا صديقي ما الفائدة من هذه الغوفالة ( كثافة الشعر) التي تأكل من جسدك النحيف ؟ سأخلصك منها قبل أن يدق الجرس إعلانا ببدء حصة المساء !
وكالمنوم معناطيسيا استسلمت ، وسلمته رأسي ،أخذ مقصا لم يكن يعرف الاستقرار في يده ، كان يقطع كل شيء يقع بين يديه ٠٠٠عاث في رأسي فسادا ..وقبل أن يكمل عملية الحلاقة ، كانت صفارة المعلم تصدح في الساحة :
قلت له بندم وحسرة :
-يا صديقي، يا حاج ماذا سنفعل الآن ؟
قال بجرأة ووقاحة شيطانية :
– الأمر بسيط سأستعير لك لباسا بقب تضعه على رأسك فلا ينتبه لك المعلم ! وعندما تنتهي الحصة ، أكمل مشروعي !
وهذا صديقي [بوزرنونة ] الخبير في الأنشطة الجمعوية ،
جمعيته كانت خاصة بالرفق بالحشرات ، في علبة شاي صفراء يجمع من كل صنف من الحشرات عددا يطعمه لمدة أسبوع ثم يطلق سراحه ، وهكذا ، تستمر العملية بين الجمع والحرية ، وكثيرا ما تسببت له خشخشة هذه الحشرات ،في مشاكل مع المعلم الأصلع !
انفصمت عن واقعي ، وعشت الاتحاد والحلول بماض رائع ، ستخرجني منه زوجتي قائلة :
– إن الشمس ، تكاد تغرب ، ولا زال أمامنا الطريق طويلا !
ودعت حارس مدرستي ، بعدما سلمته رقم هاتفي ، وودعت صديقي القديم (غنواش) ، ودست على البنزين ، في اتجاه وادي زم !

أضف تعليقاً