ماذا يعني أن تصير حياتك بين دفتيْ كتاب؟
هل من عزاء في حروف ننثرها على الورق عوضا عن جراحنا المتراكمة في العمق ، توخزنا فلا نستطيع أن نطلق العنان لصرخة مدوية في هذا الواقع الصادم؟ تزاحمت الأسئلة في رأسي و أنا أستعيد ملامح وجهها النحيل، لا أدري كيف استطاعت عيناها أن تحتلا فيه المساحة الأكبر، اتساع يشي بمكنونات قلبها الذبيح.
تعرّفنا إلى بعضنا بمحض الصدفة و الفضل في ذلك يعود إلى الأخصائي النفساني ا أ. بن عامر لذي كان يتابع حالتها، و الذي كان في نفس الوقت شريكا جادا في برنامجي الإذاعي ” معا للحياة “الذي كان يسمع أصوات المعذّبين في هذه الحياة، ينقل معاناتهم و يبحث عن منافذ للأمل من أجلهم. تزامن تقديمي للبرنامج مع صدور روايتي”أوجاع الذاكرة”، كنت أحمل نسخة منها معي أهديتها للأخصائي النفساني ليتصل بي بعد أسابيع و يخبرني بأمر حيّرني.
أخبرني بأنّ سيّدة كان يتابع حالتها وقع نظرها على الرواية التي كانت فوق مكتبه، أخذتها و بدأت تقلّبها ،ثطمّ لبت منه أن يعيرها إياها، بعد أن تملكتها لحظتها رغبة شديدة في قراءتها.أخبرني بأنّه أعارها لها ، و بعد أسبوع وجدها تتصل به و تلح عليه في الطلب أن يبرمج لها لقاء مع المذيعة كاتبة القصة.
أخبرتْه بأنّها تحتاجها في أمر مهمّ،و ما كان منه إلا أن اتصل بي و شرح لي الموضوع ،فأعطيتها مباشرة موعدا بمقرّ الإذاعة و انتظرتها بكلّ محبّة. و كان يوم اللقاء، وجدتني أمام ريحانة خجولة امتدّت أيد لتسرق منها بضع بتلاتها، لكنّ أريج روحها كان قويا يصل إلى أبعد مدى في الروح. سعدت بلقائها، و انتظرت أن تقول لي ما أرادته منّي، فكانت المفاجأة بالنسبة لي.
سألتني إن كان الأخصائي النفساني أخبرني عن حالتها، أجبتها بالنفي.
قالت: لقد عدت مؤخرا من مدينة البليدة أين أجريت لي عملية جراحية في المعدة استغرقت وقتا طويلا لاستئصال ورم خبيث. ثمّ استدركت قائلة بأن حالتها تحسنت و أنّها ما زالت تخضع للعلاج الكيميائي .
كانت كلّها ثقة بأنّ العلاج الكيميائي سيقتل ما تبقى من خلايا سرطانية، و بأنّها ستعود كما كانت زهرة من زهرات ربيع الحياة ، تحدّثت بألم ،فاستطعت أن أدرك بأنّ المرض ليس وحده سبب حزن تلك الريحانة، أخبرتني بأنّ القهر كان وراء الورم الذي خرّب معدتها،و راحت تسرد عليّ مأساتها و العذاب الذي سلطته عليها أخوات زوجها ،أخبرتني بأنّ الأذى الذي تسبّبن لها فيه كان كبيرا فكانت له نتيجته الكارثية على نفسيتها .أخبرتني أنّها كانت صبورة جدا كي تحافظ على بيتها ، تجرّعت المرارة و تحمّلت الآلام النفسية لكنّهن لم يرحمنها و اتخذن القرار بتطليقها و ما كان على زوجها سوى الامتثال لهنّ تحت تهديدات والدته له ب “دعوة الشر” إرضاء لبناتها.
قالت و الألم يخنقها : قهروني
و طلّقها زوجها ، لتبقى تحت الصدمة مدّة من الزمن و القهر يحفر دهاليزه في أعماقها، و ينخر كيانها، و يوما بعد يوم يكبر الألم في معدتها، السبب في البداية كان نفسيا،لكن مع مرور الوقت و أمام طبيعة تركيبتها الإنسانية الحساسة لم تفلح في تجاوز الصدمةو مع ازدياد جرعة الألم و الحزن، تحوّل المرض على مستوى المعدة إلى ورم خبيث. قالت لي: لن أسامحهم خربوا لي حياتي.
كنّا غادرنا مقرّ الإذاعة و رافقتها إلى الطبيعة بكل صمت الصحراء فيها لأخفف عنها مرارة ما علق بروحها، كم كانت بهيّة ، كم كانت أنيقة ، امتلأت بعطرها، بجمال روحها، ببريق دموعها المنحازة لشرفات عينين مبهرتين بذلك الاتساع.
ألحّت عليّ ألا أنسى طلبها كلّ ما كانت تريده هو أن أكتب قصّتها.قلت لها يومها أنّ الحياة أوسع من أن تنتهي عند شخص أو عند تجربة معيّنة، قلت لها بأنّ عليها كسر قيود الماضي و الخروج إلى الآفاق الرحيبة في الحياة ، يكفي فقط أن تقرّر البدء من جديدأن تبتدئ، لكنّ القهر كان أخذ مساحة كبيرة من أعماقها.
ودّعتني و قد تركتني يومها ريشة تتقاذفها الحيرة و يعتصرها الألم.
بعد أسابيع اتصل بي الأخصائي النفساني أ. بن عامر ليخبرني بأنّها فارقت الحياة….
بكيت بحرقة و ألم ، و ما أعجزني اليوم على لملمة كلّ هذا الألم في نص قد يُقرأ، ما أعجزني على استيعاب مخزون الشرّ في الإنسان و قدرته على إبادة أخيه الإنسان و كسره و هزيمته، لماذا تصرّ المرأة على إيلام امرأة خرى؟ ماذا يحدث في أسرنا، كيف يباد فيها الإنسان؟
أليس لذلك القهر الذي عانته تلك الريحانة صدى في زاوية ما من زوايا هذه الحياة، ألا تلاحق روحها أولئك الذين مارسوا عليها القهر و عاشوا نشوة الانتصار بسحق بتلاتها؟ يا لهذا الوحش الكاسر فيك أيّها الإنسان…رحم الله تلك الريحانة، لترقد في سلام، و لتسامحني روحها الطيبة.
- قصة ريحانة
- التعليقات