ما أسوء هذا الشعور الذي ينتابني في هذه اللحظة ! ما أزال أتساءل في داخلي : لماذا يحدث هذا الأمر معي ؟ هل أخطأت لهذه الدرجة ؟ لم أصدق نفسي ، عندما قال والدي باستهزاء شديد عن قصتي أنها سيئة جدا و ليس فيها أي ذرة من الجمال ، وافقته والدتي فورا و قالت بقسوة أن الناس المهتمين بالأدب فاشلون و يضيعون وقتهم فقط. حتى أستاذ اللغة العربية أيضا قال نفس الأمر لي، و عدة أساتذة آخرين في هذا اليوم. هل الكل يعتقد هذا الأمر ؟ هل يجب أن أتوقف عن الكتابة ؟ أنا أحب هوايتي ، وأحس أن في داخلي مجموعة من المشاعر و الأحاسيس التي أود ترجمتها إلى قصص ، حتى أنني أريد اختيار الشعبة الأدبية في الدراسة لاحقا ، كي أستمر في هذا الميدان الذي أحبه. لكنهم يريدون حرماني مما أريد.
يتكرر نفس السيناريو مجددا و لا أعلم لماذا كل هذا الهجوم عليّ ؟ في كل نقاشاتهم معي يستدلون بالأمثلة الواقعية ! ها هو أبي يبدأ كلامه المعتاد قائلا :” اسمع يا حسام كلامي كي لا تندم ، عمك أصبح دكتورا و الآخر مهندس لأنهم اختاروا الشعبة العلمية، أما طريق الأدب فلن يوصلك لشيء. الكل في العائلة ذو توجه علمي في الدراسة و لا يحبون الأدب “، وافقته والدتي متسائلة: “هل ستشفي الناس من الأمراض الخطيرة بالأدب ؟هل ستكتشف كوكبا جديدا يا حسام ؟” لم أستطع الرد حينها من الصدمة ، لكنني أعرف أن القلم سلاحي و أثق به ثقة كبيرة . لا أحب الاستسلام و لا الرضوخ لآرائهم ، و أريد أن أتحدى الجميع لأنني أؤمن بموهبتي.
مضى يومان على تلك الواقعة، و بعد جلسة طويلة مع نفسي استجمعت قواي لأبدأ معركتي من جديد و أهزم كل هذه الأفكار السوداء، كما شجعني صديقي الوحيد وسام على الاستمرار في هذا الطريق. منذ عرف بأمري و هو يقف إلى جانبي، إنه يحاول مساعدتي بكل قوته. غمرتني فرحة عارمة عندما أخبرني بأمر المسابقة الجديدة للقصة في المدرسة ، فقررت أن أكتب و أشارك فيها. وجدتها فرصة لا تعوّض فقد كان لزاما عليّ أن أفوز و أكتب أجمل قصة لأرفع من معنوياتي و من ثقتي بنفسي . أردت أن أثبت لوالديّ و لكل عائلتي أنني شخص جيد و ناجح. لكن، ما إن وجدني والدي في الغرفة، أكتب فيها قصتي الجديدة حتى قفز نحوي و رمى الأوراق في وجهي مهددا إياي. أقنعته بصعوبة أن الأمر مهم جدا بالنسبة لي ، فوافق على مضض لكنه قال بحزم : “إنها آخر فرصة لك ، و اذا فزت سأدعك تستمر في الكتابة أما إذا خسرت فستنسى هوايتك للأبد . و لكن ، تذكر دائما أنني أريد مصلحتك يا بني “. ابتسمت و أعلنت التحدي، و تصافحنا لتأكيد الاتفاق، و قررت يومها أن أبذل قصارى جهدي من أجل هدفي.
مرّت الأيام بسرعة، حتى حان وقت إعلان نتائج المسابقة التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر. فذهبت مع والديّ لحضور حفل التتويج . الكل مترقب و متشوق لمعرفة الفائز، و قلبي يدق بشدة لأن الأمر بالنسبة لي قضية حياة أو موت. صُعقت عندما نطق أستاذ اللغة العربية باسم التلميذ المتوّج ، خرجت الدموع من عينيّ بدون أن أتحكم فيها لكنني مسحتها قبل أن يراها الناس ، فرح والديّ فرحا شديدا و نظرا إلي بعدما عرفا بأمر خسارتي ، لكن صديقي الوحيد واساني بألم. قاومت حزني و ذهبت لأسأل لجنة التحكيم عن قصتي ، فقالوا عنها أنها سيئة جدا ، و غير صالحة حتى للقراءة. أصبت بخيبة أمل كبيرة جدا وانفجرت بالبكاء بقوة حتى سمعني كل من حضر الحفل. حاول والداي تهدئتي فذهبوا بي في الحين لزيارة خالي الوحيد الذي كان أديبا في ما مضى. نظر إليّ بحزن و حكى لي معاناته باسترسال و كيف إنه أصبح يبيع المكسرات و الحلوى اليوم . قال لي بصوت حزين : ” نصيحة من ذهب يا ابن أختي الغالي ، انس الأدب ، و اسمع كلام والديك “. لمحت دمعة حارة في عينه اليمنى ، فنظرت إليه مصدوما و متألما وقلت في نفسي :” يا إلهي ! لماذا يقول خالي هذا الكلام ؟ ” فقد كان فرحا من قبل بموهبتي و يشجعني. أما الآن فقد أصبح يقول هذا الكلام بعد أن عانى الأمرّين . اعتبرت هذا اليوم أسوء يوم في حياتي، وبعد أن عدنا للمنزل أغلقت الباب على نفسي ،لكنّ أبي دخل بسرعة و أمسك بدفتر قصصي و الأوراق و رماها في سلة المهملات ، بعد أن قطّع بعضها إربا إربا. جاءت والدتي أيضا. نهضت من مكاني فورا و أخذت أساعده في عمله بحماس و رميت الباقي في سلة المهملات بالخارج. قطعت خواطري و أحلامي بيدي، رغم الألم الشديد بداخلي. إنهما يضحكان بجنون ، كنت أضحك بجنون معهما فقد كانا فرحين جدا بما حصل. ذرفت يومها دموعا لم أذرفها من قبل بتلك الكمية. لكنهما لا يعرفان هل كانت دموع حزن أم فرح يا ترى ؟
لا أعرف ما الذي بدأ يحصل لي منذ ذلك الحين، فقد أقنعت نفسي بعنف بالتخلي عن حلمي و قررت أن أبدأ من الصفر، أرغمت نفسي في البداية بصعوبة . لم أعد أقرأ القصص و الروايات و المجلات، قطّعت كل شيء يذكرني بهوايتي السابقة ، و كسرت أقلامي التي أكتب بها. علّقت في السابق على باب غرفتي ورقة مكتوب عليها : ” الكاتب حسام ” و لكنني أزلتها الآن و وضعت مكانها “الطبيب حسام “.صمّمت على نسيان كل شيء. لقد دفنت حلمي الجميل للأبد ، و تأكدت أنه لن يعود للحياة من جديد.
تغيّرت حياتي كليا و انقلبت مئة و ثمانين درجة ، اخترت الشعبة العلمية التي أرادها والديّ بعد ذلك و قررت أن أعيش الحياة التي رغبا فيها. كانا يفتخران بي أمام الناس و يقولان بثقة : ” هذا طبيب المستقبل” . كان هذا الأمر يسعدني لأنني لم أعتد هذا التشجيع من قبل ، فوعدت نفسي أن أبذل جهدي لأثبت نفسي في هذا الميدان الجديد رغم أنني لا أحبه ،و لكنني كنت مضطرا كي أبني مستقبلي و يستمرا في تشجيعي. فعادت لي ثقتي بنفسي رغم بعض الخوف و القلق .
مرت الأيام ببطء شديد. لم أعد أقرأ الكتب الأدبية، لم أعد أكتب و لم أعد أشارك في مسابقات القصة. لم يكن توجهي العلمي جيدا فرسبت في الدراسة لأول مرة، و شعرت بطعم الفشل أكثر. انقلب كل ذلك النجاح الوهمي الذي أحسست به إلى فشل ذريع ، ندمت أشد الندم و أحسست بتخبط كبير في حياتي. لم أعد أدرس جيدا ، بل و أصبحت من الكسالى بعد أن كنت في القمة من قبل. باختصار، تحولت حياتي إلى جحيم بكل ما للكلمة من معنى ، و كانت الأيام تمر و لا أحس بطعمها أبدا.
استمرّ الزمن في سباقه حتى راودني شغفي بالكتابة و القراءة في أحد الأيام . لم يكن والديّ في المنزل فوجدتها فرصة ملائمة. خرجت من المنزل و عدت لغرفتي بسرعة بعد أن اشتريت مجلتي المفضلة، أغلقت الباب جيدا و كأنني أقوم بعمل محرّم. كنت مشتاقا للقراءة، فأخذت أطالع المواضيع المنشورة بالمجلة.، حتى فاجأتني بعض القصص المألوفة لدي. فركت عينيّ عدة مرات لأتأكد من الأمر ! إنها قصص كتبتها بنفسي في السابق ! كانت موقعة باسم مجهول و كتب أمامها رئيس التحرير:” لقد وجدنا هذه القصص بالصدفة مرمية في الشارع و كاتبها موهوب دون شك “.امتزجت دموع الفرح مع دموع الحزن، و أحسست بقليل من طعم النجاح الذي اشتقت إليه. كانت صدمة قوية مثل الصدمة التي أحسست بها عندما علمت فيما بعد أن أبي كان هو المسؤول عن عدم نجاحي في المسابقة و عن رأي أساتذتي في قصصي بعد أن اتفق معهم . نهضت من مكاني في الحين، قررت هذه المرة ألّا أنظر للخلف أبدا، فتحت باب الخروج بقوة. تركت منزلي ورائي و أسرعت راكضا بسرعة نحو منزل خالي !

أضف تعليقاً