..انا السبب.! انا الذي جنيتُ عليهم تلك اللعنة.! لو استأنستُ الى وحشة سلسلتي فقط، دون ان اتطلع الى ابعد، لما حدث ماحدث.! لو اكتفيتُ بهذا الشبر المستدير من ارض واسعة تسوره سلسلة صماء مشدودة الى وتد أرعن، مكانا لعيش عمر جامد، لَما حصدتُ هذا الاحساس الفظيع بالذنب، بعد ان صرت سببا في القتل ولو عن غير قصد، فطريق جهنم يفرشه سجاد النوايا الحسنة.! لم أرد لهم ولابهم سوءا..فقط سعيتُ لأتمتع بما احسدهم عليه، والذي ظننتُ انه حق لي مني أغتُصِب، لكن ظني صار اثما، فنالهم من وزره، ولم ينلني شيء سوى ان عدتُ الى مربطي، ذليلا صاغرا، بضمير تمزقه سلسلة لامرئية لاتكف عن الالتواء كثوب مبلل ينعصر بين قبضتين قويتين.! آه، لو اختاروا طريقا آخر، للتنقل ذهابا وايابا من الدوار الى مركز الجماعة، ولم يمروا امام هذه الڤيلا الكبيرة كقصر والتي لايمكن ان يعثروا خارج اسوارها على فتات من فضلات يسدون به احيانا حاجة جوعهم.! لو فعلوا لَما رأيتهم ولما نمت في نفسي رغبة جامحة في كسر السلسلة والانطلاق وراءهم؛ ولاكتفيت بتلك الاوقات المحدودة والمحددة التي يصحبني فيها السيد، بسيارته، الى مكان بعيد وينزع السلسلة من عنقي ويفك القفل عن قوائمي.!
كان عسيرا علي ان احتمل ذلك..ان احتمل منظر قوائمهم الرشيقة الراقصة تسري كنسمة حرية طليقة الى اي مكان، وكم كان منظر ذيولهم مرفوعة بزهو، من مؤخرات اجسداهم، كمنجل يشق الفضاء ويحفر في احشائه طريقا، يحز في نفسي. كم كنت اشتهي ان احظى مثلهم بفرصة ان ارفع رجلي وابول على اي جذع اصادفه ،او سواه،واحوله الى علامة درب.! كم كنت عبدا.!؟ صحيح عبدا مرفها، لكنها رفاهية تنعقد كحلقات السلسلة.! لهذا كثيرا ما سمعت البعص منهم يردد مستغربا :
– كيف لكلب مثلك ينعم با تنعم به يفعل ماتفعل.!؟
بل وهناك من همس في اذني من فوق جسر بين المزاح والجد:
– لو قبل بي سيدك كلبا للحراسة مكانك، لما ترددتُ، ولَما بخلتُ بنباحي..( واستدرك بأسى) لكن من اصله وضيع يبقى وضيعا.!
لكني كنت افَضِّل ان اجوع مثلهم ، واحظى بفرصة الانطلاق مابين مركز الجماعة وبيوت الدوار، بدون سلسلة، بحثا عن ما أسد به الرمق كما يفعلون، على أَكْلٍ شهي من علبة نظيفة ألتهمه فتعلق السلسلة في حلقي وتختنق روحي.! صحيح، كنت سيدا بين كلاب الدوار، محسودا على مااتمتع به من مأوى ومأكل ونظافة وعناية، بل حتى على السلسلة الغالية في عنقي، ومَن مِن تلك الكلاب كان يحلم بركوب سيارة مثلي.!؟ ومع هذا شعرتُ ان سيادتي عبودية من نوع آخر، وادركتُ ان السيد عبدُ سيادته، فصرت اخجل من نباحي، ومن شراسة نابي في اتجاه الخارج التي تتحول عنقا طيعا يدخل بكل سلاسة في سلسلة عبوديته الدائمة داخل اسوار الڤيلا.! لهذا قَلّ نباحي وذبلت نظراتي الشزراء وجفتْ شهيتي واصبحت لااتردد، كلما سنحت لي الفرصة، في كسر السلسلة والقفز فوق السور، بعناد لاينكسر رغم استبدالها كل مرة باخرى اكثر صلابة، والالتحاق بجوقة الكلاب تلك لنعزف سمفونيةَ حريةٍ لايمكن ان تسمعها أذن السيادة الصماء بطبعها، بعد ان تلاشتْ تلك الحساسية التي امتدت اول مرة من نظراتهم كالغمام، ورسمتْ قوسا من علامة استفهام حولي ،فداروا حولي طويلا وتشمموا رائحتي عميقا كأني كائن من كوكب آخر حط بينهم فجأة، ثم قبلوا بي بينهم ككلب احمق يترك النعيم وراءه ويهرب الى الجحيم.! حقا، كنت احمق..لأني لم احسب عاقبة رد فعل السيد، ولم اقدر انه سيكون عنيفا الى ذاك الحد، وليس لأني تركت ورائي نعيما من سلاسل أليفة الى جحيم احرق فيه اصابعي بين جمر التجربة والاستكشاف لأَشعر بحرارة الحياة.! كان رده، بعد ان راقب تلك الكلاب تمر من امام بصري، فوق ربوة قريبة تطل على سور الڤيلا، ورآى شدة الهياج الذي كان يستبد بي حينها، وانا مشدود الى السلسلة اللعينة ككويكب صغير مشدود الى فلكه، وبعد ان لاحظ تراخي نباحي وكثرة شرودي وسهومي، فعل الذي لم يخطر ببالي : ملأ بندقيته بالرصاص، وأخد وضعية قناص في مكان مناسب على سطح الڤيلا، وبدأ يلتقط باصابع من رصاص اي كلب يمر.! آه، ماعاد من كلب يمر..بقيت وحدي الى سلسلة لاتسمع حلقاتها المثقوبة انيني. ولم ينقطع صوت الرصاص من دماغي، وصرت كثيرا ما اقفز مرعوبا ولاطلقة هناك.! آخ، ليته افرغ رصاصة في جسدي، ولم يكتف بالتلويح في وجهي بالبندقية، علامة انه مرة اخرى لن يتردد في قتلي واستبدالي بكلب حراسة آخر.لكنه لم يفعل، وتركني لرصاصٍ من تأنيب الضمير يئز كل حين مخترقا روحي التي اضحت كالغربال.!! لم اقتلهم صحيح، لكني كنت السبب.! لن اغفر لنفسي ابدا..لن اغفر لنفسي ان اظل ذليلا على اعتاب هذه السلسلة النهمة لاتشبع من طقس عبودية مرفه لن اكف عن تأديته.! لن اغفر للساني ان يظل بوقا لنباح العبد فيّ.! سأنهي كل هذا..سألف هذه السلسلة حول عنقي، واستمر ألف وأشد..الى ان انخنق، ولن يعثر السيد غدا سوى على جثة كلب، قسما..!

أضف تعليقاً