أغلقتُ الباب على الأصوات المتموجة في الخارج، وجلست الى الأوراق والقلم لأكتب قصة، عن فلاح بسيط (بسيط!؟)،كان يركب ظهر الحمارة فيم أخرى مربوطة الى مؤخرة بردعة الاولى، وهو في طريقه ليباشر صباحا ٱخر للحرث. ألقيتُ عليه التحية،واستوقفته، ثم سألته عن إسمه، بعد أن أخبرته بنيتي في كتابة قصة عنه. فرد علي بحذر وتوجس فيم عينه لاتستقر على مكان كأنها طائر ينقر النظرات:
– لاإسم لي !
– أسألكَ بجِد !
– أي جِد…!؟ إنكَ مثلهم أولئك الذين يسألونا، كل مرة، عن أسمائنا وأعدادنا، كأننا ننتعل إسما كل نهار ويزيد عددنا كل ليلة، دون أن يعلموا!
– لا، صدقا، لست مثلهم !
– لكنك تحمل أوراقا مثلهم !
– ليست كل الأوراق متشابهة، فهناك أوراق وأوراق !
– بل متشابهة، وتجربتي معها تقول هذا: لم أر يوما ورقة فيها نفع لي، إما ورقة استدعاء، أو ورقة فاتورة الكهرباء، أو ورقة شهادة تكنس بي أبواب الإدارات قبل أن تحط بين أصابعي، أو ورقة تخبرني بطرد إبني من المدرسة..الى تلك الاوراق الملونة التي تنهال علينا كل انتخابات، فتذكرني بالجراد، الجراد الملون، والجراد أنواع..أليس كذلك !؟
– نعم هناك الجراد الذي يمشي على قدمين!
– أحسنت..لهذا خذ أوراقك ولاتضيع وقتي !
– أرجوك ماإسمك، فأوراقي مختلفة !
– هراء، كل الأوراق سواسية أمامي، وجميعها عزيزة على قلوب الفئران، وأنا فلاح أكره الفئران. لهذا كم تمنيتُ لو استطعتُ نصب المصايد لحملة الأوراق، مادمتُ لست قِطّا أمامهم..لكن، وللأسف، أنا من يقع في مصايدهم !
– صدقا لاأنوي بك أي شر، ولاأعرف نصب المصايد !
– ينادونني ” موح”، لما وُلِدتُ سميت محمدا، لكن الأيام الكالحة وألسنة الناس أكلوا من إسمي بعض الحروف، أليس كذلك وأنت خبير الحروف ؟
– نعم سقط منه الميم والدال، وأضيف الواو !
– وهو كذلك، لقد بُتِر إسمي، وأضيف له طرف اصطناعي، وذاك هو إسمي الأعرج، فماذا تريد بعد !؟
– أريد ان أكتب عنك قصة !
– يعني تريد أن تركب ظهري، كما أركبُ أنا هذه الحمارة، وتمد ورقتك وقلمك لتكتب عني، وأنا أكابد ثقلك ؟
– لاأبدا..ولن أسمح لنفسي حتى بتخيل ذلك !
– وأنا لن أسمح أبدا لنفسي بتصديق ذلك !
– صدقا، أقسم…
– أي صدق، وأي قسم.. لقد صار لايقسم إلا الكاذبون، فلاتقسم، لأصدقك !
– أسحب قسمي إذن.
– إسمع، جميعهم يريدون الركوب على ظهري، حتى هذه الحمارة، التي أركب ظهرها، قد تفعل العكس لو غفلتُ عنها، فما بالك بأولئك الكبار، حملة الاوراق، الذين يخالونها أجنحة نبتت لهم، ورفعتهم الى سماء عالية فوق جنس البشر !
– أنا لست منهم !
– لكن الاوراق من الاوراق، وكل الاوراق مَسٌّ من عظمة يصيب حامليها، فيجعلهم لايرون إلا ظهورنا !
– بالعكس، أريد ان أكتب عن معاناتك !
– هاهاهاهاههه..معاناتي..ياللبشرى !
– لماذا تضحك هكذا، انا صادق معك ؟
– إسمع، إن حملة الاوراق لما يكلموني عن معاناتي، أعرف أنهم يفعلون ذلك بنية مضاعفتها. كما اني أكتم معاناتي عن أمثالي، ( كَنَتْعَشّا بالتْبَنْ وْنَدْهَنْ فَمّي بالسْمَنْ)، فلاأحد يرحمك، بل قد يرجمك، ولو بحجر التشفي !
– حقا، أحس معاناتك، وأريد الكتابة عنها !
– إنها هنا…
وأشار لصدره، قبل ان يضيف:
– من المستحيل أن أمنحك قلبي، لتكتب بصدق !
-ليس هذا شرطا للكتابة الصادقة !
– قل، بصراحة، أنك تريد التحدث بلساني، وانتزاع صوتي مني، كما يفعل حملة الأوراق الإنتخابية، لأظل اخرسا الى الابد !
– انت لست أخرسا !
– بل أخرس..وإلا كنت قادرا على الكتابة عن معاناتي، التي لن ينوب عني أحد فيها.. أنا أخرس، أخرس، أخرس، وهذا الذي تسمعه مني ليس إلا صوتا كباقي أصوات الطبيعة والكائنات !
قالها بنفاذ صبر مشوب بالغضب، ثم صاح في أذن الحمارة ( الرّى)، وانطلق دون أن يلتفت إلي، حيث تركني أمام ورقة بيضاء وقلم منكسر !

أضف تعليقاً