لطالما طارده المقص ،لاحقه بفكيه الشرهتين، تلهّف عليه ،لهث خلفه ، من قبل
أن يرى نور الحياة و هو يتربص به ، و عند الصيحة الأولى عاجله بقطع حبله
السري، ثم تركه يسيرا ، وما لبث أن باغته ليختنه ،ثم تهادنا ليمضيا تعاقدا معا
كل شهر يرتع في تيجان رأسه كما يشاء ، كلما لمع المقص أمام عينيه أعلن
بريقُه عن مرحلة جديدة ، ها هو ذا يرفض أن تمر هذه المناسبة بلا مقص ، لابد
أن يقص به بين عهدين ، عهد مضى كان يرعى فيه هذا الشجرة ، و عهد حاضر
صارت تعتمد فيه على نفسها..
نعم هي شجرة غرسها خارج المدينة منذ عشر سنوات، كان يتعهّدها كل يوم
،يأتيها بدراجته النارية ، حاملا معه الماء ليسقيها،و كطفلة صغيرة كانت عاجزة
أن تحمي نفسها من القطعان التي ترعى في تلك المنطقة حماها بسياج متين ، و
أنشأ بجانبها ردما من المرتفعات لينحرف ماء السيول عنها،و رغم ذلك تعرضت
للقطع من قبل قطعان السكارى، تربص بهم ليلا ، تركهم حتى ثملوا ثم انهال
عليهم بوابل من الحجارة،تركوا المكان ، ولم يفكروا في الرجوع إليه، و غرس
أخرى و أخرى و أخرى إلى أن أصبحت هي هي الشجرة .و أصبح هو صاحب
الشجرة .
ها هي الآن ذي شجرة فارعة ، تتحمل العطش ، و تُعجز الإنسان القوي أن
ينزعها بعضلاته ، لا بد من تأريخ هذه المرحلة بقصة مقص ، لا بد أن يقص
الشريط لتدشين هذا المشروع العمري، ها هي مجموعة من رفقائه يصفقون، و
يحتفلون بحياة الشجرة و بحياة غارسها و متعهدها ، و ها هي ذي مجموعة من
الطفوليين تتوقف ، تتساءل عن ضحايا حادث المرور:
ليس هذا حادث مرور ، و إنما تدشين شجرة ، هذا الشخص الذي تراه ، هو من
غرسها و تعهدها إنه شخص عظيم..
الأمر لا يستحق هذا الاجتماع ..
ليس هذا اجتماعا و إنما تدشين..
تدشين .. أنا أستطيع أن أفعل مثله !!
صحيح تستطيع ، و لكن هل فعلت؟هل فكرت مجرد التفكير في أن تغرس
شجرة و تتعهدها ، و تجعلها مشروعا لعشرة سنوات ،و لا تتركها إلا بعد أن
تستعصي على يد التخريب ؟
أفهم من كلامك أنه لن يحرسها بعد اليوم..
نعم ،لقد كبرت ، المفروض أنها من اليوم ستحرس نفسها..
ترك هذا الفضولي الجماعة ، و هو يكلّم نفسه :
أي بطولة في غرس شجرة ؟! كلنا يستطيع أن يفعل ذلك ..
عندما جن الليل ، توقفت سيارة ، خرج منها شخص ، حاملا معه فأسا ليتحول
من فضولي إلى مخرب ،و قبل الضربة الأولى أمسك بيده شخصان ، و نزعا منه
الفأس ، حاول التملص منها و لكنهما أحكما وثاقه :
اتركاني يا مجرمين ..
لا تصرخ ، لا تخف لن نؤذيك ، لقد حدثنا حدسنا أنك سوف ترجع ليلا لتقطعها
، أنت فقط ستخبرنا لماذا.
حاولا معه ليخبرهما عن سبب محاولته قطع الشجرة ، و لكنه أبى أن يخبرهما
بالسبب لأنه لم يكن يجرؤ أن يجابه بجواب هذا السؤال حتى نفسه..
ما هي إلا لحظات حتى جاءت سيارة أخرى ، و تبعتها أخريات، و نزل منها
فضوليون كثيرون ، و بدأ تشابك شديد ، و جد صاحب المقص نفسه موثقا بعدما
أسلم صديقه رجليه للريح ، حاول الإفلات منهم ، و عندما يئس ، صاح فيهم :
هل أنتم عصابة ؟ و هل تعرفونني ؟
و لا أحد يعرفك ، كما و لا أحد منا يعرف الآخر، و لكن كل واحد منا قصد هذا
المكان ليثبت أنك فاشل.
كيف يثبت أني فاشل؟
بقطع هذه الشجرة التي تفتخر بها.
اقطعوها ، و سأغرس شجرة أخرى و يكون لي إنجازان ..
سنقطع الثانية أيضا..
سيكون لكم تخريبان، و سأغرس أخرى..
تقدم كبير الفضوليين الذي لبس الآن قناع المخرب و تناول المقص الذي لم يكن
بعيدا عنه ،و أشار به إلى المربوط قائلا:
إن غرست شجرة أخرى ، فأنت تعلم ما سيحدث لك ..
في الصباح قرر أن يغرس شجرة أخرى في مكان آخر، مع إعلانه مخاصمة
المقص ، فلا تدشين و لا قص شريط ، حتى لا يتعرض إلى …فالمقص ما زال
يتلهف عليه ، و يلهث خلفه.

أضف تعليقاً