جلس بجواري حين كنت منهمكا في تصفّح بعض المواقع على هاتفي الذكيّ ، لم انتبه إليه ونحن ننتظر دورنا لزيارة طبيب العيون ، كان شيخا في العقد السابع من عمره، تعاقبت عليه الهموم ، يتجلى ذلك في ملامح وجهه الشاحب ، يرتسم الوقار على محياه . بادرني بالقول دون مقدمات : ” علم كبير” يقصد ما وصلت إليه التكنولوجيا مستنبطا حكمه مما رأى بيدي (الهاتف النقال) ، كانت هذه مقدمة لقصة أرجعته لذلك الزمن البعيد ، إلى ماضيه التليد المرصع بذكريات المجد ، حين كانت الجزائر تكابد ويلات الاستعمار ،يقول وقع ذلك سنة 1950 ، كنتُ وثلة من أبناء المنطقة (عشعاشة بمستغانم) نشتغل وفي ظروف مأساوية عند الكولون (الفرنسي) في تقليم كروم العنب المنتشرة على الساحل البحري ، أن تخدم أرضا سُلبت منك بل وأخذها المستدمر الظالم عُنوة مقابل ثمن بخس فهذا عذاب ، وهذا أكبر دافع للانتفاضة مردفا القول ، تلك الأيام على مرارتها متساوية ،لا أمل في الحياة إلا إذا بزغ فجر الحرية وانتهت طلعات الطيارة الصفراء كما يذكرها الثوار ، كان يوما كسابقيه يقول الشيخ ، وبينما كنت منعزلا عن البقية محاط بشجيرات الكروم أقلّمها حتى سمعت أحدهم يصيح : أسرعوا..أسرعوا .. إبليس يعّلم أبناءه القراءة أنظروا ….وما إن تجمّعنا حول ذلك المخلوق الغريب حتى ظهر الكولون ، جاءنا والفضول ينتابه لمعرفة ما التففنا حوله ،فنحن لا نجرؤ لفعل ذلك في حضرته ، وما إن وصل حتى تراءى له منظر ساعته اليدويّة سويسرية الصنع التي تعلّق بذكراها لأنها هدية باريسية ، هكذا تمتم وراح يلتقطها بعناية والسرور يتملّكه ، أما نحن فدهشنا لهذا المخلوق الغريب ومن يعلّمه ضبط الوقت بل والتحكم فيه .
نعم قال الشيخ ذلك وهو يتجرّع مرارة الألم ، ثم أردف يشرح وضعهم المزري وكيف كانوا يتخبطون بين مدّ وجزر الجهل وظلماته ، وكيف سعت فرنسا الغاشمة إلى اعتماد سياسة التجهيل وطمس الشخصية وإلباسهم ثوب الدراويش . غاب العلم وأحلّ ظلام الجهل الحالك وما كان بمقدور أحدنا يقول أن يفكّ حروف كلمة واحدة بأي لغة كانت ، وأنهم لا يتحدثون عن مستقبلهم الذي سيبزغ فجره قريبا ليأسهم وقلة حيلتهم ، يذكر الشيخ أنّ أحد القادة الكبار في النضال السياسي وهو فرحاة عباس على حدّ قوله زار المنطقة مرّة قبيل اندلاع الثورة ولا زالت راسخة كلماته الثورية المُشجعة التي ألقاها في السوق الأسبوعيّ رغم أنّها كانت لحظات قصيرة إلا أنّ الكلمات التي تبثّ الحياة تعمّر طويلا والشاهد أنها ظلت عالقة كالوسام في ذاكرته.
إنّ الدروس والعبر في الحياة كثيرة ، فقط علينا الالتفات يمينا وشمالا لقطفها ، فهي كالشجرة العالية كثيرة الثمار وافرة الظل ، فلا نأخذ إلا الأطيب منها ، ما كان حقيقة أن يهديني ذلك الهاتف الذي أعطيته كلّ وقتي كما تفعلون جلكم رغم الحرص والاعتكاف على سبيل التشبيه ،ما أخبرني به ذلك الشيخ الذي لا أعرفه اسمه إلى اللحظة ولكن القصة رسخت والدرس كان مفهوما على بساطته في السرد وعظمته في المغزى .
خاتمة القول أنّ التشبث بماضينا والاعتزاز به راسخ في ثقافتنا وأدبنا وسلوكنا وإيماننا ، وكلما سمعنا هكذا قصص ومواقف لإبائنا وأجدادنا تجاه المستعمر زاد فينا حب الوطن وزاد تمسكنا به أكثر من السابق وخفنا عليه من اللاحق .
أقول وبكل فخر أنّ الجزائريين جُبلوا على حب وطنهم ، وكأن الأمر فطري ، وما تيسر من التاريخ والشواهد كفيل بترجمة ما أذكره ، إنّ دماء الجزائريين ثائرة ، وقلوبهم على الأعداء جائرة ، وفي حب الوطن سائرة ، فلا خوف عليهم ولا تزرهم وازرة .
- قصة وعبرة
- التعليقات