قال وفي فمه عسل الرغبة أقيموا لمليكتي مخدعاً وعطروه بجرار مليئة بالأسل والأرز وعلى سريرها انشروا حلاوة الشبق كي تستحم في حضن ملكها هذا المساء

وحينما أحس بطوق الحنين يعصره وهو يبصر غربته نادى من وراء أبواب الحديد
إنانا المقدسة أين أنت؟
هل لازلت تغتسلين بالصابون وتحل ضفائرك وثورك البري في عشق بغداد قد هدّه الترحال وهو يذرع مسافة النهرين ومعه ثيران بريه تساق بالأذرع و بجداء مرقطة وجداء ملتحية تُحمل إلى الصدور ، كيف أستعيدك وكيف أريق لك من عسل الكلام وقد أتى الرجال البيض من وراء الشمس وأتى كبيرهم ليبتكر دائرة بيني وبينك وأحاط بي سطح الماء فجلب علي نوم عميق وصفد روحي بالحديد ..
أدارت وجهها جهة قلبه وهي تصيح في وجه أمها،:
-أماه لما أغلقوا باب البيت دوني؟ ولما سكتت بغداد في وجه من أحب ؟،قولي لهم إنني تحَمَمت واغتسلت بالصابون في المستحم المقدس وارتديت عباءة السماء ولأجله كحلت عيني بالإثمد وصففت شعري وحللت خصلاته وسويت أطرافه الملتوية ثم جمعت الجدائل المنسدلة ورفعتها كي يبصرني سوار فضة في معصم دجلة وطوقت عنقي بعقد خرز صغير حتى يكتمل في روحه شبقي، ثم مشت حتى أحست بغربة الصدى تعبر روحها فرفعت رأسها إلى السماء ونادت
أين أنت يا ثوري البري وأرضي متروكة بغير حرث ووجعي قارب السماء فمن لي أنا إنانا بعدك ياملكي المقدس ؟؟
دار لحظتها على أصابع وجعه وهو يبصرها في عيون الغيم تشرب من سبخات الشوق والحزن يندلق من فم القصب الجريح فصرخ في أفق الظلمة والغيم في عينيه:
أنا هنا يا حبيبة القلب رغم الحديد الذي يصفد حلمي عنك.-
رد الأفق من مسافات بعيدة :
-تعالى و أحرث هنا بين الغيمة والغيمة ليرتفع في صدرك الأرز وينمو فينا الزرع عاليا ويتدافع من حول القمح سامقا واحتويني براحتيك ومسد حضني باللبن وضمني إليك لأنني ظمأى من يوم ولدت.
ولمَّ أراد الصراخ جردوه من ثوبه و رموه في عراء الموت ، وحينما ابتعدوا أمرهم كبيرهم أن أتو بثوبه العظيم وضعوه في الوسط، ولما وضعوه قالوا له:
-سلطانك عظيم أيها الأقوى بين أهل الأرض والسماء بكلمة منك ليفنى الثوب وليرجع الفرات دماً ولتسمم رئة الدجلة حتى لا يعود الراعي إلى إنانا
فلما رأى إخوة الراعي قوة كلمته خافوا وأعطوه ولاءهم وتركوا إنانا قاعدة في حزنها
قالت أمها وهي تراهم يولون الأدبار عن ابنتها التي احتقن الدمع في مآقيها وهي مسنودة في عراء حزنها :
-إنانا ابنتي تعالي و أتيني بسلة فيها رغيف القربان وقطعة من خشب الأرز وثلاثون رغيفا من طحين ناعم وجناح صقر و جزة خروف صوفية وتعالي لنرسم لثورك البري تسعة دروب من المروج ومن جبال ومن الينابيع والنار، نقيم له طاولة عليها جرار تحتوي على خمر وعسل وزيت وثمار من حقول بابل وكعك الزبدة ثم نخرج معا الليلة من بوابة المدينة إلى الفلاة وهناك نصنع دروباً من قماش مرغفة وثمار وجدول، نثبت طرفاً واحداً على الطاولة لنسحبه مسافة طويلة في كل الاتجاهات وعلى طول كل درب سنصب الخمر والزيت والعسل وعلى جانبيه نرسم خطوط متوازية وفي نهاية كل درب نضع التقدمات المختلفة من كعك وزبدة حتى يهتدي ثورك البري ونترك للعرافة أن تتلو لنا تعزيمتها التي تخلص ملكك وتخلص بغداد ..
تدور العرافة وهي ترفع يديها لسماء:
-أيتها الأرواح انظري لقد فرشنا لك الطريق بوشاح وسكبنا لأجل البؤساء طحيناً ناعماً وزيتاً فاخراً ، هلموا و أمشوا عليه إلى هذا المكان لا يعترض مسيركم شجرة ساقطة ولا يعرقلن أقدامكم حجر، سوف تمهد الجبال أمام خطوكم وتمد المعابر فوق نهر الدجلة والفرات لاجتيازكم وليأكل البؤساء من هذه الدروب الممدودة إليهم وليطفئوا عطشهم ، أيتها الآلهة انظري بعين الرضى إلى إنانا البائسة وإلى ملكها السجين سواء كنتم في الأرض أو السماء في الجبال أو الأنهار أو بين وادي الرافدين والبحر المتوسط، نصرخ إليكم ،هانحن نجذبكم إلينا ، أديروا ظهوركم لبلاد الأعداء وهلمّوا من بلاد الشر والرجس وتعالوا لبلاد إنانا الطاهرة والنقية واجلبوا معكم الصحة والعمر المديد وأطلقوا سراح الأسرى.
اجتاز الراعي المسافات البعيدة حتى خرج من غابة الموتى فأبصر في وجوه الشجر أوشام حزن ونزف في عيون الحجر وضربات فأس وخطى الرجل الأبيض الذي عاث في الأرض فسادا
قال الشجر وقالت الحجر:
واحسرتاه على فتاها الحبيس وعلى بغداد التي في الأسر.
عبر الراعي الفلاة وهو يسمع صوت الظلام يأتيه من كل جانب حتى وصل ضفة نهر الفرات فخلع ثيابه وسبح لضفة الأخرى حيث كانت إنانا في انتظار الشمس لتبزغ في روحها ، هناك عند شجرة التفاح في صحراء ايموش ينسال الماء الدافق الذي يحطم القوارب، هناك سيأكل الراعي طعام غير الطعام وسيشرب شرابا غير الشراب حيث سيعزف ترنيمة عشقه على ناي القصب لأجل ذاك الشريد لأجل إنانا ولأجل بغداد التي تركت وحيدة في عراء الحرقة ولأجل البؤساء في دجلة والفرات خوفي أن لا يفيض النهر العظيم وأن لا يثور البؤساء على الرجل الأبيض
قالتها العرافة وهي تمسك بيد إنانا التي أحست بأن ملكها رغم غيم الأفق ورغم
ما يفعله الرجل الأبيض سيعود في نهاية المطاف
شدت يد أمها وأقفلت راجعة لتستقبل ثورها البري هناك في مخدعها المعطر بجرار الأسل والأرز.

أضف تعليقاً