هي قبل كل شيء “صباح” منير للحب، للقلب، للتيه، للحيرة التي تُولّد الرغبة، رغبة رهيبة في استنطاق الحرف، في اعترافه بخجل، مستعيرة من رقرقة الماء نغمته الساحرة، مُستعدة بخيول معانيه لمواجهة حرب حب طاهر غير ظاهر، هو الحرف الذي سحبني رويدا رويدا لاحتضان تلك الأهازيج التي أطربت روحي، وذاك الحنين الذي سرى بذاكرتي فأحالني غيمة ترقب هبوب عاصفة الكلمات.
هي أنامل ناعمة تجمع شتات الكلمات وتحيله نغما صاخبا حينا فتزفر الذاكرة بالوجع، وهادئا أحيانا كلما التقت أرواح المحبة لتخط على جدران القلب أعذب لحن فيغني العود ويصفق الشعر وأنا بينهما أهتز على وقع تلك الأهازيج، إنها وبلا شك…أهازيج الروح…
لم يكن في نيتي أن أتزيّن بحروف ذلك الديوان الذي أدهش مكتبتي الصغيرة في تلك الليلة، وأنا أستلمه من أستاذتي وصديقتي الدكتورة “صباح لخضاري” ذات مساء معطّر بالودّ، كنتُ أرقبها وهي تخط الإهداء إليّ بفرح شاعر صادق النواياـ حملت الديوان، قلّبتُ صفحاته على عجل قبل أن أغادر باتجاه المحطة، صوت مبحوح أحسسته يصرخ ورائحة زكية تدلّت من الحروف التي بدت لأول وهلة كأنها هاربة من الديوان، كأنها ترفض أن تظل مسجونة داخل كتاب.
أغلقته مُهرّبة نظري إلى كتاب تاريخ الأدب العربي، وإذا بصخب الحروف داخل الديوان يصل أذني فيرعبني، هل أنا في حقيقة؟ أم أنا في حلم؟ سمعت جلبة رهيبة وما طلع حرف من الديوان. سمعتها كلها تنطق معا وقد اختلطت أصواتها بضرب على عود حزين ألّف بينها، فصار يعزف والحروف تردد في انتظام مذهل.
عدت خطوات للوراء، إنه نفس الكتاب الذي أُهدي إليّ اليوم، ألم تعجبه مكتبتي؟. كانت ألوان غلافه الداكنة تبوح بسرّ مكبوت طال فأحال لونه من قمحيّ إلى رمادي، أو لعلّه لم يكن رماديا كان أقرب للسواد مثلما أوحى إليّ ضوء غرفتي الخجول، وتلك المرأة التي تنظر بعينين حادّتين كأنما تتحداني لأتحمّل ما استطاع قلبها أن يتحمّله من شوق لم يكن ليشبه شوقي قراءة الديوان بعد كل ما أحدثه من جلبة داخل خزانتي.
كان لباسها الصحراوي الأصيل يبعث في نفسي الغيرة وجرأة عينيها ترهبان حرفي وذاكرتي. حملتُ الديوان، سكتت فجأة أصوات الموسيقى والغناء، وحدها قصيدة “القيثارة” تدلّت من صفحات الكتاب فرُحت بخوف أحاول لملمتها وإعادتها إلى الصفحة ثلاثة وسبعين وقلبي يرتجف خوفا على تلك الكلمات من السقوط…وأنا ألـمُّها ضحكتْ…ثم صعدتْ إلى أعلى قريبا من سقف غرفتي بمحاذاة الضوء، وبقيتُ أنا في عجب أضغط على الديوان بيد وبالأخرى أغلق فمي كي لا يفضحني شهيقي فيتسلل لغرفتي من يعكر تلك الدهشة.
وحدها القصيدة ظلت معلّقة في الفضاء، ووحده الديوان ظل مفتوحا على بياض بالصفحة ثلاثة وسبعين.جمعتُ دهشتي وأنا لا أزال أمسك بالديوان:
-“أنت ‘قيثارة’ غريبة.
في استغراب كأنما لم تتوقع هذا الاتهام سألتْ:
-” أنا؟”.
قلتُ وأنا أتظاهر بحضرتها أنني لم أعد خائفة من بقائها معلّقة قرب النور، غير أن ابتسامتها وشتْ لي اكتشافها خوفي الذي ظلّ هالة مرسومة بسجلّ كلماتي الصغير، أحاول ترويضها كي لا ينفلت مني خيط المعنى، وفي شجاعة قلتُ:
-“أجل غريبة، إذ كيف استطعت العزف على آلاف الآلام؟، ما من قيثارة قبلك إلا وللفرح تعزف وللأمل، فكيف جمع المعنى فيك بين ضدين، قيثارة للغناء والطرب وغربة للحنين والشوق والفقد ، فمتى اجتمع الضدان فرح وحزن؟ ثم كيف تختارين مكانا على “الربوة الكئيبة” وعهدي بالربوة ارتفاع الأرض بين سهلين منظرها يُسرّ الناظرين، فهل يعقل أن تكون كئيبة؟.
لم تقل القصيدة شيئاـ بدا واضحا أن ثمّة سرّ ما لم أستطع الوصول إليه أو ربما خدشتُ كبرياء معانيها. قلتُ في اعتذار وأنا أنظر إلى الديوان الشّبه منغلق:
” أن تجمع ناظمتك ما بين الربوة البهيجة بقولها “كئيبة” فإنما لغرض في نفسها، غير أني بدأت أشعر أن ثمة شجن خفيّ و شاعرتك تضيف:
“تنوح…وتبوح
آلاف النوتات تنزف
مبادئ مقددة…
لا شك أن قائلتها تصوّر لنا قيثارة روح حزنت وهي ترى أمامها كل شيء جميل، مذبوح، لم يكن باستطاعة قيثارته إلا أن تبوح نائحة مقددة المبادئ مبحوحة الصوت، وما اختيار الشاعرة لقيثارة إلا دلالة على أن النفس تطرب رغم الغربة ورغم الحزن، وأن الحياة تستمر ولا تقف على قلب واحد أو حب”.
لم تجب القصيدة، فقط شرّعت نوافذ قوافيها وفي تعب أرسلت تنهدات اهتزت لها روحي، فرُحتُ أضيف :” لا معنى للحياة إلا بالتضاد، ألم يكن غريماس محقا؟ لا معنى للفرح إلا بوجود الحزن ولا معنى للنور إلا بوجود الظلام، كذلك لا معنى لغربتك إلا بوجود ألفة، وأنت قد ألفتْ كلماتك الحزن لذلك كان وقعه بليغا كقول ناظمتك:
“تعزف آلاف الآلام” والأصل تعزف آلاف الأنغام، والنغم من الطرب، والعزف مرتبط بالنغم فكيف استطاعت شاعرتك الجمع بين العزف والألم مضيفة كلمة ” آلاف” للدلالة على الكثرة، لأن هذا الألم لم يكن لمرة أو مرتين، بل تعداه ليصبح بالآلاف حتى لكأن هذه القيثارة استمدت غرابتها من ذلك.إذ كيف يُعقل أن تكون قيثارة طرب عادية وهي لا تعزف للفرح بقدر ما تعزف للألم، فصارت غريبة عن شبيهاتها ، وكان نعتُها بالغريبة نعت مناسب دقيق.
حين تعزف القيثارة فإنها تُطرب الروح وحين تعزف القصيدة فإنها بما في القلب تبوح”.
ردّت القصيدة مستطردة:
“آلاف النوتات تنزف
مبادئ مقدّدة.
والصوت المبحوح
يلطم القلب المكويّ
بجمر السؤال”
حاولتُ أن أواسيها بعدما سكنتْ روحي وانشرح قلبي لتلك الكلمات:
“لا تنزف النوتات إلا بما يُلمّ الروح من ألم حين تُقدّد المبادئ ، واختيار ناظمتك لكلمة “مقدّدة” زيادة في دقة الوصف وتعبير عن مدى الاختلاف والاتساع بينها، إذ المعنى المقصود بكلمة قدّد الشيء :بالغ في شقّه، كذا كان أمر هذه القيثارة ينزف نوتات لمبادئ قد انشقّت وتباعدت بشكل مخيف أوجب الحزن. وبحاح الصوت إنما يتأتّى بكثرة الغناء أو الصراخ دون أن يسمع أحد فيكون مبحوحا وهو وصف أنسب للحزن من الصوت العادي”.
فجأة سمعتُ طرقا خفيفا على الباب، كان ذلك الشاعر لوركا وهو يحمل بين يديه بعضا من تنوير قرأته على مهل:
“أوه أيّها الجيتار
أنت قلب جُرح عميقا بخمسة سيوف”
فارتسم بذهني جيتار على شاكلة قلب مجروح بخمسة سيوف بدل أوتار، تشبيه بليغ شخّص حال هذا الجيتار الذي يعزف ألحانا من أجل الآخرين بينما يُجرح ويتحمل مُخفيا ألمه عنهم. لعل الأمر ذاته مع هذه القيثارة الغريبة.
سألتني القصيدة بعد استماعها لما كنت أقول:
-” أتعلمين معنى:
“والصوت المبحوح
يلطم القلب المكويّ
بجمر السؤال”؟.
-“كيف لم أنتبه؟”، قلتُ في نفسي وأنا أعيد وضع الديوان على مكتبي دون أن أهمل الصفحة ثلاثة وسبعين وأنا أعاود قراءة القصيدة المعلقة التي عُلّقت بقلبي ، صاحبتها حساسة حتى في طريقة نسجها للكلمات التي اتسقت وتشاكلت في نظم بديع، فمزجت أصوات الطبيعة بأصوات الحروف، مستعيرة من الماء رقرقته في قولها:”كرتابة رقصة الماء”، ومن الأرض ربوتها في قولها: ” على الربوة الكئيبة”، ومن الإنسان أصله كقولها: “فهل يتغير الطين؟”. كأنها تريد أن تقول أن الإنسان لا يتغير، من طبعه القتل والغدر والخيانة، وأن هذه القيثارة رغم كل ما لفّها من حزن ظلّت تعزف ذابحة أحلامها قربانا لهذا الطين الذي لا يأبه ولا يهتم”.
كنتُ قد وضعتُ القلم جانبا وأعدت الديوان إلى الرّف بعدما سكنت القصيدة صفحتها مرة أخرى، وهدأت الجلبة داخل قلبي وفكري. اهتزت في تلك اللحظة جدران الغرفة لشدة الرعود الفنية وأضاء أركانها شعاع برق معنى هارب من الديوان وجلستُ أنا حائرة بعدما أدركتُ أن القصيدة قد صارت بقلبي مُعلّقة وأنني في كل مرة سأقف على سرّ من أسرارها.
كان ذلك ما حدّثتني في سرّها “القيثارة” الغريبة.
- قصيدة معلقة
- التعليقات