هذا اليوم ، سماؤك غيرالسماء ، وشمسك غير الشمس، وأنت غير أنت يا هذا ! يقعقع رعد ،ويلمع برق أزرق ،من شقوق غيمة كبيرة ، يتراءى لك بريقه ،عيون مسخ ، تحدق فيك، ترميك بكويرات برد باردة ، تتشظى ، تتكسر وتستقر في عتمات ذاكرتك ، تحسبها كتل نور ونار، تفتلها أنامل سحرية ٠٠تدحوها ٠٠ تكورها ٠٠تقذفها في أعماق نفسك ، تشعر بوجع حاد حد الألم ، يسري في متاهات دماغك :
لآليء براقة ، شفافة ،مصقولة ، لكنها كوخز الإبر في مخيلتك الفقيرة الضحلة ، و تحرمك لذة النوم .
هذه الكركرة أصوات مقلقة : أهو البرد يتشظى فوق قصدير سطح بيتك ؟
أم هو ارتطام غريب، تشعر به في دواخلك ،فيسلبك السمع والبصر والرؤية ؟
قطرات مطر مدرار ،تتسرب عبر شقوق نفسك الحبلى ،تتعرق حد البلل من الرأس إلى المداس،تمسحه ،تتوهم عاصفة هوجاء ، تفرغ حمولتها على سقف بيتك المثقوب ، تعترض وهمك ، تصده بطست نحاسي قديم :
تشعر بإيقاع غريب مسربل بوحشة روحك في جسدك، تجتاحك رغبة شديدة في أن : تلفظ منك دماغك ، وتمحو ذاكرتك تماما !
قبضتاك خلفك مشبوكتان ، مستلق على قفاك ، عيناك مسمرتان فيهما العمى الأزرق ، لكنك تعد من الزمن الجروح في أعماق نفسك ، تريد الخلاص من جسدك : فمن تكون أنت يا هذا، وكم تساوي ؟
قوانين الأرض هم شرعوها ،فصلوها على مقاسات خاصة ،فهل شاوروك يوما في الأمر ؟ هل سمعوا صراخك ؟
-أنا أفكر ، أنا لست مجنونا !
ما سمعوك ، ولما سمعوك ،زجوا بك ذات صباح في (المعتقل الكبير ) مع المجانين والحمقى والمتسكعين والسكارى !
تتأمل مصباحك مشنوقا بمسمار فولادي ،مغروز في دعامات بيتك المتهالكة ، يتصيد نوره الباهت حشرات مغفلة : تعتقد أليافه ذهبا، وتتصيد أنت حكم الحياة، تجنيها من مصائب غيرك ، تصيخ السمع إلى دواخلك :
ما زالت عفاريت النور والنار ،تفتت لحمة كويرات البرد الباردة ،المتشظية في وعيك /لا وعيك ، تنتابك نوبة صرع أشبه بشطحة مذبوح ، فتسد أدنيك :
تجس ذاكرتك نبض ترسبات تاريخ حافل ،يأتيك بفيض معرفة الماضي ممزوجة بشئ من الحاضر :
وتسري فيك حكمة العصور، جنون العصور ، فما أنت إلا وريث !
– هيه ،أنت العبد / الحر ، المقهور في قومه ، كر فأنت حر ، أنت مجنون الحرية ، مفطورعلى القريض: قريضك شوك زقوم في حلوق ألبستك عباءة المجانين قهرا٠
تدس أنفك في منامة عبلة ،تنتشي بعطرها ، تتيه في عالم التيه ، تفك عقال لسانك ، تحرر بنات أفكارك ، تسرح قوافيك ، ينزاح عنك هم و غم كبير ين، ولسان حالك يقول :
أنا شين شيم شهامة !
أنا عين عفة وعفاف !
أنا راء كرم ورجولة !
أنا الشعر ، أنا الشاعر، أنا القصيد ، أنا القصيدة !
حمولتك حلم مجنون ، حلم سيجتاح مدى كل حالم وعالم !
تعصر فوديك ، تتأفف ، لكنك تشعر بنشوة مخمور، ولذة سكر بدون خمرة ٠
من حلم يقظتك ، يأتيك صوت مموسق ، بعيد ،ضارب في عمق زمن مضى ، فيه رفض وعتب وعتاب :
– حصانك جامح مجنح يا هذا : ليس فيك نتفة من عقل ٠٠٠ ليس فيك حبة من حكمة ، اخرج من مدينتي ، أريدها حقيقة لا خيالا، و أنت كائن مجنون ، مخبول ، مهبول ، لانريدك بيننا !
تدفع عن نفسك تهمة كل العصور :
-جنوني ، حكمة ، وحكمتي خميرة تمزج كل الأشياء !
-إنك تنكر يديك ، تنكر جسدك ، مصاب بكآبة صفراوية ،تفلسف البديهيات ، و تفسد العقول ، شعورك أبد الدهر لا شعورك : نائم/يقظان ، حاضر/ غائب !
اخرج من مدينتي فهي للحكماء و العقلاء !
وقتها، تغفو غفوة ، تشطح شطحة ، تشعر بانتشاء ، يعطل فيك كل وصاية ٠ تلملم شظايا حلمك ، تجمع رزم رموزك المبعثرة :رزم حروف صدئة ،باهتة في بطون القواميس ، تخمرها في تجويف قلب ذاكرتك : يوما ٠٠٠شهرا٠٠٠سنة ٠٠مع مر الزمن تفيض الخميرة ، تسيل ريقا و تلمع بريقا ،ستحيى ، ستجري جريان موج بحر هائج !
تشطح شطحة مجذوب ، ترعش ر عشة اتحاد وحلول في جمال جمال عالم ، لا تراه إلا أنت ، فما أنت إلا ساحر ٠٠ آه عفوا ٠٠ شاعر مجنون !
تلفظك مدينة العقلاء ، وفي نفسك غصة منبوذ مطرود ، وتتجرع إهانتك :
-لا تحزن ، فلا أنت منها ، ولا هي منك ، لا أنت منهم ولا هم منك !
في إصرار و تحد ، تمتطي صهوة شين شعرك الشماء ، تعتلي عين إعلائك الفرويدي ، تركب راء شعرك ، تترفع عن صغائر العقل، ودنايا الواقع ،و تبحر إبحار السندباد في بحر لذة شفافة ، لذة حب بلا محبوب، مسلوب الإرادة ،أمام قوة رمز خفي وحرف بهي يرقصان رقصة الإبداع في طقوس حلاجية، تزف موعد مخاض القصيدة ، في فراغ روح هائمة في مغارات سحرية ،تبحث عن حقيقة مفقودة، فأشعة الشمس -قهرا وقسرا – حجبتها عيون الغربال !
تلبس ملابسك قرمزية ، وأنت عاري عراة التاريخ ، تقتلع نفسك من واقعك ، تتخلص من وصاية عقلك :
واقعا تراه آسنا ،ماؤه عكر، كثيرة عليه دمعة اليتيم ، و أنة الضرير, و آهة المكلوم ،وزفرة الثكلى !
تنفخ ريشك، وتطل من علياء جسدك الزجاجي ، وفي قرارة نفسك :
-حكمة الحكيم :نور عيني، و ضوء سراجي في عتمة البصر والبصيرة ٠
وتنشد حكمة حكيم الحكماء :
– لما رأيت الجهل في الناس فاشيا **** تجاهلت حتى ظن إني جاهل !
ترميك عشتاربسهام قاتلة من عينيها ، فتجن وتهيم مع شاعر سومر وتنشد :
عيناك غابتا نخيل وقت السحر!
أو شرفتان راح ينأى عنهما القر !
تعتب عليها مرارة الجفاء وتنشد :
-أغرك مني أن حبك قاتلي ****وأنك مهما تأمري القلب يفعل ٠
تتأجج فيك شعلة شعر ، تلهب رأس عصاك المدهونة بدم القلب والروح ، تمتص حلكة كهف أناره بروميثيوس بنور معرفة أنكروها عليك ، تتمرد و تمعن في التمرد :
وتلعن الطاغية زايوس ٠
وتتغنى بشعرهوميروس٠
في قوافيه سر مهموس٠
وتنشد ملء الذوق والذائقة :
صنت نفسي عمايدنس نفسي ***** وترفعت عن جدا كل جبس٠
تشعربقوافيك حمم بركان ، تبحث عن ثقب للخلاص ، فتنتشي بشطحة صوفية ،وجذبة مجذوب ،فتغيب عن وعيك ، وتخترق متاهات التاريخ ،وتعبر سراديب أرشيفات الوجود تبحث عن سر كينونتك ، وعن أسرارعالم أحمق !
نقرات لذيذة على جدار ذاكراتك :
-ما أسعدك يا هذا ! نقرات أنامل ربة الشعرناعمة، نعومة الموت ، رائعة روعة حفيف قواف ، تربت خفيفة على رؤوس أشجار الدفلى , تدغدغ سيقان سمار
واد تحفه خمائل قرمزية , ربما لا ألوان لها ، كل ما تذكره :
موكب من العرائس تحتفي بك ، فتنتشي بملك بلا مملكة ولا صولجان ،وتغيب في رعشة اللذة ، تشق صفحة ماء الوادي ، تمحو رسوم وجه القمر، وخيالات النجوم ،تتأوه صغرى العرائس حد العض على البنان ، إعجابا بطلعتك البهية ،فتشعر برغبة جامحة في قول الشعر :
-قالت الكبرى، أتعرف الفتى ؟ **** قالت الصغرى : وهل يخفى القمر؟
يتقدم موكب عرائسك ،شيطان مجنون ،يرفل في دمقس اللغة ، و حرير حروف القصيد والقصيدة ، يزفك إلى ربة الشعر عريسا ، فهنيئا مريئا ، ستمارس عليك الغواية يا هذا ! ستمتطي صهوة البجاسوس، بدون سرج ولا لجام ، ستتبع الغاوين ، أينما هاموا تهيم ، ومتى جن الشعراء تجن :
– من اليوم لك ملهمة قصيدك ، لك ربة شعرك !
يصرخ فيك شيطان الشعر :
-اردف عروسك خلفك ٠٠ غص في خيال غير خيالهم ٠٠ اهرب من الناس جميعا، لن يفهموك، ولن يفهموا غمغمة لغتك ، فسرها في صمت صمتها ٠
و تهمس عروسك في أذنيك قصيدة سينية هامسة :
وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمـ ****** ـسٍ وَوَشكَ الفِراقِ أَوَّل أمس !
تبصم لك كل العرائس بالعشرة :
-من اليوم ،سكنك شعر،فاسكن للقصيدة، وستسكن إليك ، حل فيها وستحل فيك ، هي حرث لك وأنت حل لها !
تحمل مجذاف الخليل وتركب موج بحوره ٠٠تجذف٠٠تجذف ٠٠ يستهويك الإيقاع ،فتعزف أنشودة ليل الشعراء الثقيل ، وتشكوه . كما شكوه طويلا :
وليل كموج البحر أرخى سدوله **** علي بأنواع الهموم ليبتليني!
وتصرخ فيه صراخهم :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي **** بصبح وما الإصباح منك بأمثل !
تربت منك عروسك على المخ والمخيخ :
– حلق بعيدا ، كن نسرا ، فشين شعرك ،شين فراشة لا ترضى إلا بالقمم الشماء والمعالي ، فحلق بعيدا ٠٠٠ بعيدا :
فهذا العالم فراغ في فراغ ، هذا الوجود خواء في خواء !
ارقص رقصة الريح فوق الماء،وعش عشقك في رحب السماء!
فهذا العالم الأحمق ضباب في ضباب ، سراب في سراب !
تحبس أنفاسك، ترشف من رحيق ذاكرتك رشفة، لكنك تحسب للأمور عواقب و نتائج :
-وماذا بعد يا ملكتي ، يا ملكة هذا الوادي ؟
– ارشف من رحيق الشعر، لن تندم يا هذا ،فقط شربت من كأسنا رحيق شعر وحكمة ،فمن الآن :
أنت في صراع الوجود ،مبدع إبداع ،ذات مجنونة في عالم مجنون ، لغتك :صامتة ،بكماء ،صماء ،تعيها سلامة ذائقة وذوق ،فأنت ملك نفسك، لا حدود لك ولا قيود ، في ملكوت هذه السماء ، نسر وحدك تحلق ، لك دون غيرك هذه القبة الزرقاء !
-وماذا بعد القصيدة ، يا ربة الشعر ؟
-رقبتك في كل لحظة يتلمسها حد نصل السيف والمقصلة !
وجسدك مباح للسحل والحرق ، لكنك ستعيش ، وتعيش قصيدتك ،ولو وسموا برأسك صدرجلاد مخبول ،فان لا محالة !
تمسح حبيبات العرق تجتاحك ، ترتبك ، تفقد البوصلة :
-ولماذا كل هذا يا ربة الشعر و القصيدة ؟
– اعلم أن عين شعرك عين رعد ،يقعقع في قلوب الجبناء !
و راؤه راء برق ،يبرق في نفس كل باحث عن جمال حقيقة ضائعة ، في عالم حمق و حمقى !
أوووف ! أوووف ! قطرات المطر ، تتسرب من شقوق سقف بيتك المتشقق بغزارة ،تتكاثر، تتحول سيلا ،يملأ طستك النحاسي حتى التخمة ، يغمر كل الأركان ، يبحث عن منفد للخلاص ، يجرف ما تملك من متاع دنياك ٠
تستفيق من غفوتك ، تهرب منك لذة غيبوبتك ، تخذلك عروسك ،ينهد فوق رأسك الواقع وسقف البيت .تصرخ ، صرخاتك يردد ها الصدى البعيد :
– أواه ! أواه ! ضاع المتاع ،كل المتاع ، ربة الشعر كذبة ، وادي عبقر كذبة ، هراء ،هراء !
ويجرفك السيل الهادر ، وفي عرض بحور الخليل ، يتكسر المجذاف ويشذ الإيقاع ،و بين مد وجزر الواقع ، تضيع ومنك يضيع الإبداع٠

أضف تعليقاً