كجندي يستنفره الواجب؛ كلما جن الليل ..أو جن..
على خطوط التماس؛ مصابيح العدوة الأخرى تتراءى لك بهيّة مهتاجة، غيورًا تتوسّل،و أخرى تَخِرُّ على خدّه؛ كشاعر كفيف؛ ظهيرةً يتغزّل بالقمر.
طريق ترابي يشطر فضاءً أخضرَ؛ لم تزحف إليه البنايات الفارهة بعد. الأشغال تحُثُّ الخُطَى كما تفعل بنا جيوش الغزاة؛ وكما يفعل بنا الرحيل..يشطرنا ثنتين.
مخلوقات أخرى تضِجّ بالحياة، أغنام هانئة بما تجود به السماء، عَنْزاتٌ تحلّ بالمكان خفيفة الظل صباحا؛ و عند العصر تباشر إنزال المساء..تتوسط القَطِيعَ أحيانا طفولةٌ غضَّةٌ تلتصق بالنعاج كما الحملان؛ يتنفس بعضها بعضا، يتراءى أولئك في إنسان عين هؤلاء. قطط وديعة تجِدُّ في السَّير تخشى أن عشاءها؛ و الدفءَ قد تأخر. ولأن الطاووس توأم الحضارة؛ يَحُلُّ هنا باكرا يرتع، يصوم نهاره عن الكلام، يرحل هناك عند الغروب إلى مقبرة مجاورة يلُفُّها سورٌ؛ تحفُّه أشجارٌ باسقة، تقبع هناك متبلدة ربما لتُدَارِيَ سوءة الموت. وفي كبد الليل تجد له أنينا ينذر بالخطر.
صرخة تمزق سكون ليل هذا الشتاء، صرخة أنثى.. يتناهى إلى سمعك نباح عند جانب قصي من العالم الآخر، يشتد النباح شيئا فشيئا كُلَّما اقترب من مصدر الصرخة النداء، يَذْرَعُ الزُّقاق جيئة و ذهابا..لاشيء هناك ؛ نداء ما لبث أن تبخر.
تنوء السماء بكل هذه الأرواح؛ فتمطر كل يوم؛ لكنها تنوء بالعار أيضا؛ فتتوارى نهارا
لتحط أحمالها كلما أُسْدِلَ الستار، وبين زفرة و أخرى؛ يسود صمت قدسي يأخذ الألباب.
رشيقَ القوام، ساحرَ الرّفسات، تتذيّلُه أفعى ” كبرا”؛ تتراقص متأهبة لتحميَ ظهرَه. كنت تحسبه طريدًا مُرَوَّعًا؛ لا يلجأ إلى اختصار.. وكلّما سطعت الأضواء، وزَكَمَ أنوفَهم إكليل الجبل؛ تبدّى لك مزهوّا مختالا، وغدت حركة قوائمه أكثرَ اتّساقا حيث يصل وجهتَه ظافرا بالنصر. سرعان ما أصبح يسودهم هناك؛ بينما انصرفوا حانقين، منكسرين؛ يدبّرُون لهذا الغريب المستئذب أمرا. وآدميون هناك يكتفون وزيادة، بالثناء يمطرهم حين يمسكون، وحين يُغذقون يلعنهم بالدعاء.
كما يَحُجُّ إليها هؤلاء بين فينة و أخرى، يتردّد عليها آخرون كأنما بِهِمْ حياء.. إنها تحفظُ معالمَهم على ظهر قلب كما تَسْلُكُ الأمهات..يتصيّدُون في أحشائها شيئا ذا قيمة يهرعون به لمحطات إعادة التَّدوير.كان واحدا منهم؛ و ليس أيّ أحد.. حين تطالعك معالمه تدرك أنها تختزل كلّ البشر..حيّيْتُه، أوشيتُ بي إليه، وكما ينبغي – تأخذني الفجاءة – صلّيت على” محمد”. حين سألته عن الدراسة افترّت عيناه عن إشراقة؛ عادت بي إلى زمن صباه..كان متعلّما نجيبا كما خمّنت. أخ غير شقيق ليوسف النبي؛ لكن الخصم هنا على غير العادة، يرتدي قميص “يعقوب”.. يعقوب ..هل يعقل؟.. أيكون فعلا قد سرق ؟. يحمل بين ضلوعه روحا عزيزة؛ بل لعل روحه نفسها الإباء..” لا أستطيع أن ألتمس العون من أحد”..كذا قالها ؛كذا فعل كنسر يعيش بالأعالي؛ يتريّت مبتسما ذات اليمين وذات الشمال قبل أن يشن الغارة.يحضرني كإسماعيل إذ يعمل مساعدا في قطاع البناء؛ أو كلقمان الحكيم؛ يلامس السريرة..مازال يجلس القرفصاء يعظني بكلمة يتيمة وهو يرسم إشارة..أهداني قوس قزح، و التقطني تذكارا من مجرة بعيدة.
عادت لتمطر ما شاءت؛ عندما تحول إلى حلم للتوء قد تبخر.
- قضمة
- التعليقات