في منزلنا المتواضع، داخل صالته الكبيرة، جلست على الأريكة، أمسك بهاتفي وأتجول في مواقع التواصل الاجتماعي، صوت التلفاز العالي يجعلني في عزلة تماما، من دون أن أشعر به، فقد تعودت على ذلك وهي إحدى العادات السيئة التي تلازمني، ولكثرة انشغالي لم ألاحظ بأني وحيد في المنزل، ذهب والدي إلى العمل، وأختي الصغرى مع أمي في السوق لشراء بعض الحاجيات، وأخي هو الآخر خرج للعب مع أصدقائه.
في تلك اللحظات بعينيها الزرقاوين وجسدها الحنطاوي الرشيق، وخفة مشيتها وهدوئها المعتاد، وصوتها الخافت، دخلت ليلى، تلك القطة التي يربيها أخي، إنها الحيوان الأليف الوحيد في المنزل.
وأنا لدي كره للحيوانات خصوصا القطط، فهي تمثل لي كابوسا عندما كنت صغيرا، وما زلت عندما ألمس جسدها أحس بقشعريرة تسري في جميع مفاصل جسمي، وقفت أمامي وهي تموء وكأنها تطلب مني شيئا، لا أدري ماذا أفعل؟ تسمرت في مكاني حتى إنني لم أستطع أن أمسك بهاتفي جيدًا.
نزلت من الأريكة بحذر وخوف، أرقب كل تحركاتها، ذهبت لكي أجلب لها شيئا تأكله، وجدت سمكة تونة في الثلاجة وضعت قطعة منها في صحن، بدأت بالأكل وأنا أنظر إليها، فأنعشت ذاكرتي المملوءة بالذنوب تجاه القطط، وتذكرت ما فعلته سابقا، حيث القسوة والعنف معها، ولأنني كاتب وخيالي خصب وأفقي واسع، ذهب خيالي بعيدًا، رأيت القطة تكبر، وجاءت قطط أخرى من كل مكان ليمتلئ البيت منها، وتصبح ضخمة جدا بضخامة البشر العادي، جاء هران كبيران أخذا هاتفي وقيداني، ثم وضعاني في قفص الاتهام، وكأن صالة البيت أصبحت قاعة محكمة، بحضور عدد كبير من القطط تشاهد هذه المحاكمة، وأنا ما زلت غير مصدق لما يحدث، ما هذا الجنون يا إلهي؟
جلس المدعي العام وهو قط مخيف وبشع، وهنالك محام عينته المحكمة للدفاع عني لم أرَ وجهه بعد، وبقي أعضاء هيأة القضاة الذين لم يصلوا أيضاً، في هذه اللحظات جن جنوني فصرخت عاليا:
-أنا بريء، ما الذي فعلته؟
لكن كل الموجودين ينظرون إلي بغضب، وكأن لا أحد يسمعني، التفت إلي المحامي، وكانت قطة جميلة، شبهت عليها وكأني أعرفها وإذا بها قطة أخي، نعم إنها هي…، غمزتني بعينها، وأشارت بيدها بأن أهدأ فهدأت.
وقف قط كبير يلبس بدلة عسكرية، واضعا سيفه على جانبه وصاح بأعلى صوته:
– محكمة.
كما في الأفلام العربية، وقف الجميع إلا أنا بقيت جالسا في مكاني خائفا مرتبكا، نسيت أنني يجب أن أقف، لكن هول الصدمة أبقاني متسمرا جالسا في مكاني، إلى أن التفتت قطة أخي مرة أخرى، وأشارت إلي بأناقة بأن أقف، فدخل ثلاثة هررة يمثلون رئاسة المحكمة بكامل أناقتهم وحلتهم، كانت منضدتهم أمام الجمهور على المنصة العالية، وأنا كنت على يسارهم، وأمامي على اليمين المدعي العام، وعلى مقربة منه محاميتي، فلما جلسوا، أمر رئيس المحكمة المدعي بأن يعرض التهم الموجهة لي على المحكمة.
وقف الهر الأشهب مفقوء العين فقال:
– يا سيادة الرئيس! لقد قام الماثل أمامكم بثلاث جرائم يندى لها جبين الحيوانية، لقد قتل ثلاثة مواطنين أبرياء، قطتين وهر، وسوف أفصل لكم أحداث الجرائم الثلاثة؛ لتكون المحكمة على بينة من هذه الحقائق:
أحداث الجريمة الأولى حصلت في باحة هذا المنزل نعم سيادة الرئيس! في الحديقة الأمامية بالتحديد، وكل الأشياء هنا تشهد على هذه الجريمة النكراء، إذ قام المتهم برمي قطة واقفة على كومة من الطابوق بحجر على أنفها بكل قوته لتسقطت مضرجة بدمائها.
وأخذ المدعي العام يكفكف دموعه بفروة يديه، وسمعت نشيج الجمهور وبكائهم أيضًا، وأردف قائلا:
-هذه الأم القتيلة كان لديها ست قطط، عائلة كاملة فنيت بأجمعها بسبب هذا المجرم.
-اعتراض، سيادة الرئيس إنه متهم وليس مجرما.
هذا ما قالته المحامية.
– اعتراض مقبول.
-نعم سيادة الرئيس! الجريمة الأخرى أيها السادة كانت في زقاق الحارة، رأى قطة جميلة تمشي بأمان الله على الحائط ولم تؤذ أحدا، فأمسكها من ذيلها وضربها عدة مرات على الأرض بقسوة إلى أن ماتت بين يديه متأثرة بتلك الضربات، لقد قضى على مستقبل هذه الشابة الواعدة، وحرمها من عائلتها، وأثكل أمها.
أما جريمته الثالثة أيها السادة، لم تختلف عن بشاعة الجرائم الأخرى، حينما أراد هرّ الدخول إلى بيتهم وهو جائع جدا، لكنه فوجئ بهذا المتهم يقف خلف الباب ليخنقه بين الباب والإطار، ويركله على وجهه عدة ركلات قوية، استطاع الهروب لكنه مات متأثرا بجراحه.
-أيها السادة! بعد كل الجرائم وما فعله المتهم فإن الادّعاء يوصي بتوجيه أقصى العقوبات بحقه ليكون عبرة إلى غيره.
-كيف عرف كل هذه التفاصيل؟ التي فعلتها وأنا صبي لا أدري… من أين جاء بهذه المعلومات؟ من قال له ذلك؟ بقيت صامتا أحدث نفسي وأنتظر ما يحصل.
قامت قطة أخي ليلى تستعد للمرافعة:
– أيها السادة! إن هذا الشخص الماثل أمامكم كان صبيا عندما فعل هذه الجرائم، لم يكن في وعيه، ولم تكن لديه الأهلية ليميز بين الخطأ والصواب.
ضجت القاعة بمواء وصياح القطط اعتراضا على حديث المحامية ودفاعها عني، ضرب رئيس المحكمة بمطرقته عدة مرات، صمت الجميع، وأكملت حديثها:
-لقد كان صغير السن ولم يمتلك العاطفة التي تمكنه من الاعتناء بالحيوانات فضلا عن القطط، لم تكن في ثقافته تربية الحيوانات الأليفة، بالإضافة إلى أن بيئته الموحشة هيأته ليكون صبيا متنمرا حتى مع أبناء جنسه، لذلك وبما أنه لم يعِ هذا الجرم، فأنا أطالب بالبراءة لموكلي.
هنا عادت أصوات المواء مرة أخرى اعتراضا على ما قالته المحامية، وصاحت القطط بصوت واحد:
-العدالة.. العدالة.. نطالب بالعدالة.
طرق القاضي مرة أخرى على المنصة فهدأت القاعة وسأل المحامية
– هل لديك شيء آخر؟
– ليس لدي ما أقوله.
– سنعطي فرصة للمتهم لكي يدافع عن نفسه، في نهاية هذه المحاكمة:
-يا سيادة القاضي!.
قلتها وأنا غير مقتنع بها لأني أخاطب فيها قطا لا أكثر، لكني مجبر على ذلك، وأردفت قائلا:
– لست بريئا من هذه التهم نعم لقد فعلتها؛ لكن هذا كان منذ زمن طويل عندما كنت صبيا ولا أعرف أو أميز الصح من الخطأ، أرجو من محكمتكم الموقرة أن تسامحني، أو على الأقل، تخفف من عقوبتي.
هنا قام المدعي مقاطعا لي:
-نسامحك على ماذا؟ لقد قتلت ثلاث أنفس بريئة بالإضافة إلى أنك قد شردت وحرمت ثلاث عوائل من أحبابهم، نعم ثلاث عوائل وأثنى عشرة قطط صغيرة، أيها المجرم كيف نسامحك؟
ضجت القاعة مرة أخرى بالصياح والنقمة وبدأ اللعن علي وعلى البشر، وقذفوني بكل ما تصله إليه أيديهم(قناني المياه، الأحذية، والمفاتيح) عندها قام القاضي بتهدئة القاعة مرة أخرى، واستعد لقراءة الحكم:
– إن دولتنا العادلة ألغت حكم الإعدام منذ زمن بعيد، لكن لا يعني ذلك، أننا سوف نسامحك.
نظرا لما تم بيانه من أدلة، واعترافك بجميع الجرائم، لذا حكمت عليك المحكمة بما هو آت:-
(أن تعتني بما لا يقل عن عشرة قطط صغيرة في غرفتك، وغرامة مقدارها ثلاثة آلاف دولار)
-ماذا؟ إن الاعتناء بواحدة هو بمثابة إعدام فكيف بهذا العدد؟!…
هذا ما حدثت به نفسي.
هنا أمسك بي اثنان من الحرس واقتاداني، وفي الطريق أمسكت بي قطة أخي وهي تربت على كتفي تواسيني على الحكم، لكن أظافرها آلمتني.
وإذا بي أعود إلى واقعي من شدة الألم، وقطة أخي صاعدة على كتفي، فزعت منها، وزادت وتيرة أنفاسي، ولهاثي، وقطرات العرق التي ملأت وجهي….بعدها تبدد خوفي وعاد هدوئي، وأخذت القطة وأنزلتها على الأرض بهدوء، واتكأت على الأريكة استرجع قواي وابتسمت واستوعبت الدرس وعاهدت نفسي:
-لن أضرب حيوانا بعد الآن أو أسمح لأحد بضربه.

أضف تعليقاً